* وقد جاء من حديث ابن عباس_ رضي الله عنهما_, قال:"خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يومًا, فقال: عُرضت علي الأمم: فجعل يمرّ النبي معه الرجل, والنبي معه الرجلان, والنبي معه الرهط, والنبي ليس معه أحد" (1) .
ــ ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على هداية كل من يدعو, وكان يتألم عظيم الألم لإعراضهم, وصدودهم وقد مرّت معنا الآيات الدالة على ذلك إلا أنه في الوقت نفسه لم يحمله هذا الحرص على تشويه الدعوة أو تغييرها استمالةً للمدعوين بل كان يُبلغ الدعوة كما أنزلت وهو صلوات ربي وسلامه عليه: سيدُ من أوتي"الحكمة"في الدعوة .
* قال تعالى: { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } [ الحجر: 94 ] .
قال القرطبي_ رحمه الله_: [ قوله تعالى: { فاصدع بما تؤمر } , أي: بالذي تؤمر به, أي: بَلّغ رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم فقد أمرك الله بذلك ] (2) .
وقال الشيخ السعدي_ رحمه الله _: [ أمر الله رسوله أن لا يبالي بهم, ولا بغيرهم, وأن يصدع بما أمر الله, ويعلن بذلك لكل أحد, ولا يعوقنه عن أمره عائق, ولا تصده أقوال المتهوكين ... ] (3) .
ـ وفي قوله تعالى: { فاصدع } : إشارةٌ هامة جدًا عظيمة الدلالة على ما نقرره هنا من أن الداعية مطالب بأن يظهر"الحق"كما أنزله الله بعيدًا كل البعد عن التحريف, والتشويه تأليفًا للمدعوين, واستمالةً لهم, وذلك أن ( الصدع: الشق, وتصدّع القوم؛ أي: تفرقوا, ومنه: { يومئذ يصدعون } , أي: يتفرقون, وصدعتُه فانصدع, أي: انشق, وأصل الصدع: الفرق, والشق ) (4) .
فقوله: { فاصدع بما تؤمر } ؛ أي: ( اِفرق بين الحق, والباطل ) (5) .
(1) "البخاري5/2170","مسلم1/199".
(2) "تفسير القرطبي10/61".
(3) "تفسير السعدي/304".
(4) "تفسير القرطبي10/61".
(5) "تفسير أبي السعود5/92","تفسير البغوي3/59".