أمّا قوله تعالى: { الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } , فقد أفاد فائدة هامة هنا, وهي: أن الداعية إذا بلغ الدين كما أنزله الله_ { فَلِذَلِكَ: فَادْعُ } _ مع الاستقامة على أمر الله_ { وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } _ وعدم اتباع أهوآء المدعوين _ { وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } _: فقد فعل ما عليه, وما كَلّفه الله به, ولا يضره بعد ذلك إعراض المدعوين, وصدودهم .
ـ وما أعظم قوله تعالى هنا: { وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [ الأنعام: 35 ] .
فأهل الطائفة المنصورة: لا يستخفنهم إعراض من أعرض عن دعوتهم وقد قاموا بواجبهم خير قيام كما قال تعالى: { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } .
ـ فالعبرة بأمانة التبليغ لا بكمّ الأتباع, ولله درّ القائل:
عجبتُ لهم قالوا: تماديت في المنى … وفي المثل العليا وفي المرتقى الصعب
فاقصر ولا تجهد يراعك إنما……ستبذر حبًا في ثرى ليس بالخصب
فقلت لهم: مهلًا، فما اليأس شيمتي … سأبذر حبي والثمار من الرب
إذا أنا بلغت الرسالة جاهدًا… ولم أجد السمع المجيب فما ذنبي ؟
ــ وحقيقة الحال: فإن تشويه الحق بتحريفه عمّا أنزله الله حال الدعوة إليه ليس من"الحكمة"التي أمر الله بها في شيء, وإنما هو: انهزام أمام الباطل, وخضوع واستسلام له, منشؤه: استخفاف الجاهلية, والاستجابة لضغط الواقع, وقلة الصبر على أمر الله, وضعف اليقين في موعوده مع الهوى المتبع .