وجدير بهذا الصنف من الدعاة: أن ينسحبوا من المعركة, وأن يتركوها لغيرهم من أهل الصبر, واليقين حيث رضوا لأنفسهم أن يكونوا ذيلًا للباطل وتبعًا: ففقدوا مبرر وجودهم .
وهذا المسلك مع فساده البين في نفسه, ومع كونه خيانة لأمانة الدعوة التي حملها الداعية: هو في نفس الوقت خيانة للمدعوين أنفسهم تجعلهم خصماء لذلك ( الدّعي ) يوم القيامة حيث كتم عليهم الحق الذي علمه, ولم ينصح لهم .
قال ابن بدران_ رحمه الله_ في سبب تسمية التقليد بذلك: [ كأن المقلد: يطوق المجتهد إثم ما غشه به في دينه, وكتمه عنه من علمه ] (1) .
إن مهمة الداعية الحق_ كما سبق_ هي تبليغ رسالة الله تعالى للناس كما أنزلها الله في كتبه، وكما أرسل بها رسله، وليس له أمر التشديد أو التخفيف:
* قال تعالى: { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِديِنِكُمْ } [ الحجرات: 16 ] .
* وقال تعالى: { قل أ أنْتُمْ أعْلمُ أمِ الله ُ } [ البقرة: 140 ] .
قال الشاطبي_ رحمه الله_: [ المقصد الشرعي مِن وضْع الشريعة: هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد الله اضطرارًا ] (2) .
وقال_ أيضًا_:[ إن الترخُّص إذا أُخذ به في موارده على الإطلاق: كان ذريعة إلى انحلال عزائم المكلفين في التعبد على الإطلاق، فإذا أخذ بالعزيمة كان حريًا بالثبات في التعبد, والأخذ بالحزم فيه ...
فإذا اعتاد الترخص: صارت كل عزيمة في يده كالشاقَّة الحرجة، وإذا صارت كذلك: لم يقم بها حق قيامها, وطلب الطريق إلى الخروج منها ] (3) .
وكلام الشاطبي_ رحمه الله_ في الأخذ بالترخص في موارده, فكيف يكون الحال في الأخذ به في غير موارده: تحليلًا للحرام, وتحريمًا للحلال, وتبريرًا لترك الواجب, والقعود عنه, وتحايلًا على المنكر بل ومسارعةً لإسباغ الشرعية على كل باطل ؟!!! .
(1) "نزهة الخاطر2/450","المدخل/389".
(2) "الموافقات2/168".
(3) "الموافقات1/331".