قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير ممّا أعلم_ ثلاث مرات ثم انصرف_" (1) ."
* وفي رواية البخاري, قال أبو سعيد:"خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر, فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت, فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي: فجبذت بثوبة, فجبذني, فارتفع فخطب قبل الصلاة, فقلت: غيرتم والله."
فقال: يا أبا سعيد, قد ذهب ما تعلم.
فقلت: ما أعلم_ والله_: خيرٌ ممّا لا أعلم ..." (2) ."
قال النووي_ رحمه الله_: [وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان المنكر عليه واليًا, وفيه أن الإنكار عليه يكون باليد لمن أَمكنَهُ ولا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد] (3) .
ــ وهذا الإنكار باليد: مشروع لآحاد المسلمين بل واجب متعين في حق القادر عليه عند عدم وجود غيره أو كفايته وإنْ لم يأذن بذلك الإمام أو السلطان الشرعي_ حال وجوده_ إذ النصوص في ذلك: مطلقة غير مقيدة, عامة غير مخصصة, والخطاب فيها لعموم المسلمين كما في قوله صلى الله عليه وسلم:
"من رأى منكم منكرًا, فليغيره: بيده ..."الحديث.
وهو ما تدل عليه أقوال أهل العلم التي سبقت معنا, فمَنْ خصص الإنكار باليد بطائفة دون غيرها أو قيّده بإذن الإمام أو تفويضه_ حال وجوده_: فقد قال بغير علم, وقيّد النصوص الآمرة بالأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر وخصصها بمحض الرأي.
قال الغزالي_ رحمه الله_ حول اشتراط إذن الإمام الشرعي أو تفويضه لتغيير المنكر:
[هذا الشرط فاسد؛ فإن الآيات والأخبار التي أوردناها تدل على أن كل مَنْ رأى منكرًا؛ فسَكت عليه: عَصَى، إذ يجب نهيه أينما رآه، وكيفما رآه على العمومِ، فالتخصيص بشرط التفويضِ من الإمامِ: تحَكمٌ لا أصْل له] (4) .
(1) "مسلم 2/ 605".
(2) "البخاري 1/ 326".
(3) "شرح مسلم 6/ 178".
(4) "الإحياء 2/ 272".