* وعن عبدِ الله بنِ مسعود_ رضي الله عنه_ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"ما مِنْ نبي بعثَه الله في أمَّة قبلي إلاّ كان له من أمته حواريون وأصحابٌ: يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخْلُفُ من بعدِهم خلوفٌ: يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده: فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانِه: فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بقلبِه: فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل" (1) .
فتأمّل قوله صلى الله عليه وسلم:"فمن جاهدهم بيده": إذ هو نص في وجوب الإنكار على الأمراء أنفسهم_فضلًا عن غيرهم_ باليد عند القدرة عليه, وهو ممّا يبطل تمامًا القول بتوقف الإنكار باليد على إذنهم.
قال ابن رجب_ رحمه الله_: [وهذا يدلّ على جهاد الأمراء باليد ... , وقد نصّ على ذلك أحمدُ_ أيضًا_ في رواية صالح، فقال: التّغيير باليد: أنْ يزيل بيده ما فعله من المنكرات، مثل: أن يُريق خمورهم أو يكسرَ آلاتِ الملاهي التي لهم، ونحو ذلك أو يُبْطل بيده ما أمرُوا بِه من الظلْم إن كان له قدرةٌ على ذلك، وكلّ هذا جائزٌ ... ] (2) .
وهناك حالة واحدة قد يربط فيها تغيير المنكر باليد بأولي الأمر, وهي أن يؤدي ذلك إلى نصب قتال, وشهر سلاح.
قال النّووي_ رحمه الله_: [قال إمام الحرمين_ رحمه الله_: ويسوغ لآحاد الرعية أن يَصدّ مُرتكبَ الكبيرةَ إن لم يندفعْ عنها بقولِه ما لم ينته العمل إلى نصبِ قتال, وشهْر سلاح، فإن انتهى الأمر إلى ذلك: ربُِطَ الأمرُ بالسُّلطان] (3) .
وربط الأمر هنا بأولي الأمر لا لعدم شرعية تغيير المنكر باليد بغير الرجوع لأولي الأمر, وإنما دفعًا لما قد يترتب على نصب القتال, وشهر السلاح من مفسدة تربو على مصلحة تغيير المنكر.
(1) "مسلم 1/ 70".
(2) "جامع العلوم والحكم/322".
(3) "شرح مسلم 2/ 25".