* وعن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والظن, فإن الظن: أكذب الحديث, ولا تحسسوا, ولا تجسسوا ..."الحديث (1) .
قال القرطبي_ رحمه الله_:[واختلف: هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين, فقال الأخفش: ليس تبعد إحداهما من الأخرى لأن التجسس: البحث عمّا يُكتم عنك, والتحسس_ بالحاء_: طلب الأخبار والبحث عنها, وقيل: إن التجسس_ بالجيم_: هو البحث, ومنه قيل: رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور, وبالحاء: هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه.
وقولٌ ثان في الفرق, أنه بالحاء: تطلبه لنفسه, وبالجيم: أن يكون رسولًا لغيره, قاله: ثعلب, والأول: أعرف] (2) .
وقال ابن عبد البر_ رحمه الله_:[وأما قوله في هذا الحديث:"ولا تجسسوا, ولا تحسسوا": فهما لفظتان معناهما واحد, وهو: البحث, والتطلب لمعايب الناس ومساويهم إذا غابت واستترت لم يحل لأحد أن يسأل عنها, ولا يكشف عن خبرها, قال ابن وهب: ومنه لا يلي أحدكم استماع ما يقول فيه أخوه.
وأصل هذه اللفظة في اللغة من قولك: حسّ الثوب, أي: أدركه بحسه, وجسه من المحسة, والمجسة, وذلك حرام كالغيبة أو أشد من الغيبة, قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا} , فالقرآن, والسنة وردا جميعا بأحكام هذا المعنى وهو قد استسهل في زماننا, فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حلّ بنا] (3) .
(1) "البخاري 5/ 2253","مسلم 4/ 1985".
(2) "تفسير القرطبي 16/ 333".
(3) "التمهيد 18/ 21".