فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 2063

وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية_ قدس الله روحه, ونوّر ضريحه_ يقول: مررتُ أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم مَن كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلتُ له: إنما حرَّم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال، فدعهم] (1) .

ــ ومن صور الموازنة تلك: أن يكون(الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما بل إما أن يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما جميعًا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف, ولا أن ينهوا عن منكر بل ينظر:

فإن كان المعروف أكثر: أُمر به وإن استلزم ما هو دونه من المنكر, ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله, وزوال فعل الحسنات.

وإن كان المنكر أغلب: نُهي عنه وإن استلزم ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزِم للمنكر الزائد عليه: أمرًا بمنكر, وسعيًا في معصية الله ورسوله.

فتارة: يصلح الأمر، وتارة: يصلح النهي، وتارة: لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة.

وأما من جهة النوع: فيؤمر بالمعروف مطلقًا, ويُنهى عن المنكر مطلقًا، وفي الفاعل الواحد, والطائفة الواحدة: يؤمر بمعروفها, ويُنهى عن منكرها, ويُحمد محمودها, ويُذم مذمومها بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه.

وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق, فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيًا, فترك الأمر الواجب: معصية، وفعل ما نُهي عنه من الأمر: معصية، وهذا باب واسع، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (2) .

(1) "إعلام الموقعين 3/ 5".

(2) "فتاوى ابن تيمية 28/ 129: 130".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت