ــ وقد عقد الإمام مسلم_ رحمه الله_ في مقدمة صحيحه بابًا, فقال:"باب بيان أن الإسناد من الدين, وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات, وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب، وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة" (1) .
وقد ساق الإمام مسلم_ رحمه الله_ في هذا الباب آثارًا كثيرة كلها ظاهرة الدلالة في بيان مشروعية الكلام في الرواة والنقلة, وبيان حالهم, والتحذير من أخطائهم، وما كان عليه السلف من ذلك.
ـ ومن تلك الآثار ما رواه بسنده إلى يحيى بن سعيد, قال:"سألت سفيان الثوري, وشعبة, ومالكًا, وابن عينية عن الرجل لا يكون ثبتًا في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه، قالوا: أَخْبِر عنه أنه ليس بثبت".
وبسنده إلى عبد الله بن المبارك, قال: قلت لسفيان الثوري:"إن عبّاد بن كثير من تعرف حاله_ (يعني: في الصلاح والتقوى) _، وإذا حدث جاء بأمر عظيم_ (أي: لسوء حفظه وعدم ضبطه) _، فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ , قال سفيان: بلى، قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلس ذُكرَ فيه عبّاد: أثنيت عليه في دينه, وأقول: لا تأخذوا عنه".
ثم قال الإمام مسلم_ رحمه الله_ بعد ذكره لآثار هذا الباب:
"وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهم, وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا, وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سُئلوا لما فيه من عظيم خطر إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب ..." (2) .
ـ وكذلك, عقد النووي_ رحمه الله_ في كتابه"رياض الصالحين"بابًا, فقال:"باب: ما يباح من الغيبة".
ثم قال_ رحمه الله_: [اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها, وهو: ستة أسباب: ...
(1) "مقدمة صحيح مسلم 1/ 14".
(2) انظر:"مقدمة صحيح مسلم 1/ 14: 28".