وقد سبق معنا قول ابن رجب: [فأما اهل البدع, والضلالة, ومن تشبه بالعلماء وليس منهم: فيجوز بيان جهلهم, وإظهار عيوبهم تحذيرًا من الاقتداء بهم] .
ـ وحُسنُ نية المبتدع أو صلاحه لا يمنع من الرد عليه, وبيان بدعته, وقد سبق الكلام عن هذا, قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [وإذا كان أقوام ليسوا منافقين ولكنهم سمّاعون للمنافقين، قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقًا، وهو مخالف للكتاب، وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين كما قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} : فلا بد من بيان حال هؤلاء بل الفتنة بحال هؤلاء: أعظم فإن فيهم إيمانًا يوجب موالاتهم، وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين، فلا بد من التحذير من تلك البدع، وإن اقتضى ذلك ذِكْرُهم, وتعيينُهم بل ولو لم يكن قد تَلَقَّوْا تلك البدعة عن منافق لكن قالوها ظانِّين أنها هدى, وأنها خير, وأنها دين، ولو لم تكن كذلك: لوجب بيان حالهم] (1) .
ــ ولقد ضرب أئمة الطائفة المنصورة عبر تاريخها خير نموذج, وخير قدوة في الدفاع عن الدين والذود عن حياضه, وحمايته من زبالات آراء البشر, ونحاتة أفكارهم وأوهامهم, وعفن سياساتهم ولو كلفهم ذلك أرواحهم, وما بين جوانحهم حفاظًا على الشرعة بيضاء, نقية.
فكانت لهم مع البدع, والمبتدعة جولات وصولات, وزحوف وغارات, فما أن تنجم بدعة, ويظهر مبتدعة إلا وأئمة الطائفة المنصورة لهم بالمرصاد منافحةً عن الإسلام, والسنة, وحمايةً للدين من تحريف الغالين, وانتحال المبطلين, وتأويل الجاهلين, فيصيحون بأهل البدع من كل واد, ويشردون بهم من خلفهم لعلهم يرجعون.
(1) "الفتاوى 28/ 233".