قال ابن الجوزي_ رحمه الله_: [ وكان عليه السلام حريصًا على إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم, ولم يكن مريدًا لزينة الدنيا قط, فأُمِرَ أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين ] (1) .
ـ وقد جاء قوله تعالى: { وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } بعد أمره سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر مع هؤلاء المستضعفين ليؤكد أن للدعوة طريقًا محددًا لا بد عليها أن تسلكه, وأن المصلحة كل المصلحة في سلوك هذا الطريق دون غيره وإن استصعبه الناس, واستوعروه .
كما جاء قوله تعالى: { وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } _ كذلك_ ليؤكد أنه ليس على الداعية أن يغير من صفة, وطبيعة الحق الذي جاء به ليلائم أهوآء الناس, وما هم عليه بزعم تحقيق مصلحة الدعوة .
قال الشوكاني_ رحمه الله_:[ { وقل الحق من ربكم } , أى: قل لهم إن ما أوحي إليك, وأمرت بتلاوته: هو الحق الكائن من جهة الله لا من جهة غيره حتى يمكن فيه التبديل والتغيير, وقيل: المراد بالحق: الصبر مع الفقراء, قال الزجاج: أى الذين أتيتكم به الحق من ربكم يعني لم آتكم به من قبل نفسي إنما أتيتكم به من الله .
{ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } , قيل: هو من تمام القول الذى أمر رسوله أن يقوله, والفاء لترتيب ما قبلها على ما بعدها, ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه لا من القول الذى أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وفيه تهديد شديد, ويكون المعنى: قل لهم يا محمد: الحق من ربكم, وبعد أن تقول لهم هذا القول: من شاء أن يؤمن بالله ويصدقك: فليؤمن, ومن شاء أن يكفر به ويكذبك: فليكفر ثم أكّد الوعيد وشدده, فقال: {إنا أعتدنا للظالمين } ] (2) .
(1) "زاد المسير5/133".
(2) "فتح القدير3/282".