(( فَقَالَ خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ) )عَدَلَ عن ظاهرِ الجوابِ بإيرادِ قضيةٍ أسندَ فيها الجواب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحادثة، ليكون أبلغ في رفع الإشكال.
(( وَصَلَّيْتُ ) )في رواية مسلم [1] كان ذلك في غزوة بواط [2] أول غزوة [3] غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(( وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ ) )أي: واصلًا إلى جانبه.
(( قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ ) )السُّرى: هو السير بالليل، يقال فيه: سرى وأسرى [4] ، ليس سؤاله عن وجود السُّرى، بل عن موجبه، فإنه في وقتٍ غيرُ متعارفٍ مجيئُهُ فيه.
(( قَالَ: مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ ) )كان مشتملًا اشتمال الصماء، من غير أن يجعل على عاتقيه منه شيءٌ.
(( كَانَ ثَوْبٌ يَعْنِي: ضَاقَ ) )يعني ضاق وسطه؛ لأنَّه لم يكن ضابطًا عبادته، ومحصلة اعتذار جابر بأنَّه كان ضيقًا لم يحتمل أن يخالف بين طرفيه فأرشده إلى طريق آخر بقوله:
(( إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ ) )فإن الغرض من المخالفة بين طرفيه أن لا تظهر عورته، والاتزار مثله في ذلك.
وفقه الحديث: جواز طروق الملوك والعلماء بالليل إذا دعت إليه ضرورة.
وقوله: (( فَأتزِرْ بِهِ ) )بهمزة ساكنة [5] ، ويروى بالإدغام [6] .
(1) صحيح مسلم: ج 4/ 2304/3009، كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل.
(2) بواط: بالضم وآخره طاء مهملة، وادٍ من أودية القبلية، وبفتح أوله، والأول أشهر، وقالوا: هو جبل من جبال جهينة بناحية رضوى حيال ضبة من ناحية ذي خشب، بين بواط والمدينة ثلاثة برد، وهي قريبة من الجحفة، غزاها النبي - صلى الله عليه وسلم - في شهر ربيع الأول في السنة الثانية من الهجرة يريد قريشًا ورجع ولم يلق كيدًا. المغازي للواقدي: ج 1/ 25، معجم البلدان لياقوت الحموي: ج 1/ 503.
(3) قال ابن إسحاق: أول ما غزا النبي - صلى الله عليه وسلم - الأبواء ثم بواط ثم العشيرة. صحيح البخاري: ج 4/ 1453.
(4) يقال: سرى يسري سريًا، وأسرى يسرى إسراء لغتان. النهاية في غريب الأثر: ج 2/ 364.
(5) الموجود في السلطانية وكتب الشراح الإدغام فقط.
(6) قال العيني: تحقيق هذه المادة أن أصل الفعل أزر على ثلاثة أحرف، فلما نقل إلى باب الافتعال صار إاتزر على وزن افتعل بهمزتين، أولاهما مكسورة وهي همزة الافتعال والأخرى ساكنة وهي همزة الفعل، ثم يجوز فيه الوجهان أحدهما أن تقلب الهمزة ياء آخر الحروف، فيقال: إيتزر، والآخر أن تقلب تاء مثناة من فوق وتدغم التاء في التاء وهو معنى قول الكرماني بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء ولفظ الحديث على الوجه الأول. عمدة القاري: ج 4/ 68.