قال، زائدة، الأصل أنْ يقول: أحفظ ما قاله، أو نقل كلامه بالمعنى [1] ، وهذا وهم فإنَّ الذي يحفظه حذيفة هو مثل الذي قال، لا عين مقالته؛ لأنَّ الغرض لا يكون بعينه إلا بتعيين المحل.
والصواب: أنَّ الكاف للتشبيه، والمراد من الفتنه الابتلاء، وفهم حذيفة أنه سأل عن الابتلاء بالذنوب.
فقال: (( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَمَالِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ ) )أي: ما يحصل للإنسان من الإثم مما يتعلق بهؤلاء المذكورات: من المال، والولد، والجار، يندفع ويذهب أثره بهذه العبادات: من الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعنى أن كل واحدة من هذه يصلح أن تكون مكفِّرة، أو لا يشترط الاجتماع في واحد.
التركية
[133/أ]
وما يقال [2] : أن فيه لفًا ونشرًا، مثلا الصلاة مكفرة لفتنة الأهل، والصوم للفتنة في المال، وكذا المذكور بعده شيء لا دليل/ عليه، وينافيه قوله صلى الله عليه وسلم: (( الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ) ) [3] من غير تخصيص بذنب، بإجماع السلف والخلف.
(( قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ ) )كان عالمًا بأنَّه ستكون الفتنة لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله جعل بأس أمته بينهم [4] ، أراد أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكر لذلك علامة أو لا، وأراد بموج البحر عظمة الفتنة وشدتها، على طريق الاستعارة أو تشبيه المعقول بالمحسوس.
(( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟، قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: إِذًا لَا يُغْلَقُ أَبَدًا ) )محصله أنه كَلَّمَهُ رَمْزًا، وفهم عُمَرُ رَمزَهُ أنَّ الباب عمر، فإنَّ وجوده مانع عن الفساد في الأمة، والناس في أيامه آمنين، كالبناء المغلق الذي لا يمكن مع كونه مغلقًا أن يدخل الدار أحد، فمن أراد الدخول لابد من أحد الأمرين إما الكسر وإما الفتح، فاستعار كسر الباب
(1) الكرماني: 4/ 178.
(2) الكرماني: 4/ 188.
(3) صحيح مسلم: ج 1/ 209/233، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر.
(4) صحيح مسلم: ج 4/ 2215/2889، كتاب الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض.