فإن قلتَ: ما وجه حملها إلى تلك الحضرة العليَّة، وهي فضلةُ طعام فضلت عن طوائف؟.
قلتُ: كان أمرها خارقًا للعادة، أهديت إلى من هو أصلٌ في خرق العادة ومظهر المعجزات، وسيأتي أنَّه أكل منها.
(( وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ ) )العقد: العهد الموثق، قيل: معناه عقد مهادنة، وعندي أنَّه عقد إجارة أو نحوه، لقوله: (( فَمَضَى الْأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ ) )بالفاء والقاف من التفريق، أي: جعلنا كل رجل منهم ممتازًا معه أناس، وفي بعض نسخ البخاري [1] ، وأكثر نسخ مسلم عرفنا بالعين، أي: جعل كل واحد من أثني عشر عريفًا له أناس يتبعونه، وقد يروى فقرينا من القِرى [2] .
وفي الحديث فوائد دنيًا ومروءة:
جواز السَّمر مع الأهل والضيف، وأنَّ للرئيس والملك أن يفرق الفقراء على الأغنياء في وقت الضرورة، وجواز سبِّ الوالدِ الولدَ إذا بدا منه شينٌ في الدين أو المروءة، وجواز الحنث في اليمين إذا رأى غيره خيرًا منه، وفيه فوائد أخر تظهر بالتأمُّل.
فإن قلتَ: قوله: من كان عنده طعام الاثنين فليذهب بثالث، كان القياس أن يقول: ومن كان طعام أربعة فليذهب بست، وكذلك في الخامس، ولم يزد إلا واحدًا في كلِّ عدد.
قلتُ: محافظة على العيال؛ لأنهم عند الحاجة أهم من الأجانب.
(1) التوضيح: 6/ 304.
(2) ذكره الكرماني: 4/ 240.