(( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ ) )أي: التبكير والمبادرة إلى صلاة الظهر، وحمل التهجير على مطلقه، أيَّ صلاةٍ كانت لا يلائم المقام، وأيضًا لا يصحُّ في صلاة العشاء.
فإن قلتَ: تقدم أنَّ الأولى في الظهر الإبراد [1] .
قلتُ: محمول على وقت اشتداد الحرِّ، وهذا على عدمه، ومن وفَّق بين الحديثين بأنَّ المراد في الإبراد ادني تأخير، وأنَّ الهاجرة تطلق على أوَّل الوقت إلى قرب العصر [2] فقد أبعد عن الصواب لغة وفقهًا، أمّا لغة فلما قال الجوهري وغيره: أنَّ التهجير هو السَّير في الهاجرة، والهاجرة نصف النَّهار [3] ، وأمَّا فقهًا: فلأنَّ غرض الحديث إيقاع الصلاة في أوَّل الوقت، على أنَّ قوله: (( أدنى تأخيرٍ ) )مخالف لحديث البخاري الآتي في باب الأذان للمسافر، فإنَّ عبارة الحديث (( أراد المؤذِّن أن يؤذِّن فقال: أبرد، ثم أراد أن يؤذِّن، فقال: أبرد، حتَّى ساوى الظلُّ التلول ) ) [4] .
(( وَلَوْ حَبْوًا ) )الحبو: المشي على الوركين والرجف عليهما، كما يفعله المقعد والصغير، وقيل: المشي على اليدين والركبتين [5] .
فإن قلتَ: لو إنَّما تدخل على الماضي، فلم اختار المضارع؟.
قلتُ: إشارة إلى استمرار العلم، وأنَّ الأمر ممَّا يجب الاهتمام به، ونقل عن الطيبي [6] أنَّه قال: ثمَّ للدلالة على ترخي رتبة الاستباق عن رتبة
(1) سبق في حديث رقم: (533) .
(2) في حاشية الأصل: يرد على الكرماني: 5/ 15.
(3) الصحاح للجوهري: 6/ 851، مادة: هجر.
(4) يأتي في حديث رقم: (629) .
(5) النهاية في غريب الأثر: ج 1/ 336.
(6) الحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين الطيبي، من علماء الحديث والتفسير والبيان. كانت له ثروة طائلة من الإرث والتجارة، فأنفقها في وجوه الخير، حتى افتقر في آخر عمره. وكان شديد الرد على المبتدعة، ملازما لتعليم الطلبة والإنفاق على ذوي الحاجة منهم، آية في استخراج الدقائق من الكتاب والسنة، متواضعًا، ضعيف البصر. له التبيان في المعاني والبيان، والخلاصة في معرفة الحديث، وشرح الكشاف في التفسير، سماه فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب، و شرح مشكاة المصابيح في الحديث، توفي سنة: (743 هـ) . طبقات المفسرين للداودي: ج 1/ 277/342، الأعلام: 2/ 256.