2624 - (خ) حدَّثنا الفضل بن أحمد الجُرجاني قال: حَدَّثَنا عَلِيُّ بن مُحَمَّد الإسْفَرَائيني [1] قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن إبراهيم بن الفضل قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن إبراهيم بن سعيد قال: حدَّثنا يوسف بن عدي قال: حدَّثنا عُبَيْد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أُنَيسة عن المِنْهَال بن عمرو عن سعيد بن جُبَير:
عن ابن عَبَّاس قال: جاءه رجلٌ، فقال: يا با عَبَّاس؛ إنِّي أَجدُ في القرآن [2] أشياءَ تختلفُ عليَّ، وقد وقع ذلك في صدري، فقال ابن عَبَّاس: أتكذيبٌ؟ فقال الرجل: ما هو بتكذيبٍ، ولكن اختلافٌ، قال: فهَلُمَّ ما وقع في نفسك من ذلك، فقال له الرجل: أَسمعُ [3] اللهَ عزَّ وجلَّ يقول: {فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَايَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101] وقال في آية أخرى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات:50] وقال في آية أخرى: {السَّمَاءُ [4] بَنَاهَا* رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا* وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا* وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات:27 - 30] فبدأ بخلق السماء في هذه الآية قبل خلق الأرض، وقال في آية أخرى: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِين} إلى قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين} [فصلت:9 - 11] فبدأ بخلق الأرض في هذه الآية قبل خلق السماء، وقوله: {وَلَايَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا} [النِّساء:42] وقوله: {وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23] فقد كَتَمُوها [5] في هذه الآية، وقوله: {وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح:7] وقوله: {وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفتح:14] {وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النِّساء:134] فكأنَّه كان ثُمَّ تَقَضَّى [6] .
فقال ابن عَبَّاس: هاتِ ما وقع في نفسك من ذلك، فقال السائل: إذا أَنبأتَني بهذا فحَسْبي.
فقال ابن عَبَّاس: أمَّا قولُه: {فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَايَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101] فهذا في النَّفخة الأُولى؛ يُنفخ في الصُّور، فيَصعَق [7] مَن في السماوات ومَن في الأرض إلَّا مَن شاء الله، فلا أَنسابَ بينهم عند ذلك ولا يتساءلون،
ص 415
ثُمَّ إذا كان في النَّفخة الآخرة قاموا {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات:50] .
وأمَّا قولُه: {وَلَا [8] يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا} [النِّساء:42] وقولُه: {وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23] فإنَّه يَغفر يومَ القيامة لأهل الإخلاص ذنوبَهم، ولا يَتَعاظَمُ ذنبٌ عليه أن يَغفرَه، ولا يَغفر شِركًا، فلمَّا رأى المشركون ذلك قالوا: إنَّ ربَّنا يَغفر الذُّنوبَ، ولا يَغفر الشِّركَ، فتَعَالَوا حتَّى نقولَ: إنَّا كنَّا أهل ذُنوبٍ، ولم نكنْ أهلَ شِركٍ، فسألَهم اللهُ تعالى: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام:22] {قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23] إنَّما كنَّا أهلَ ذُنوبٍ، قال الله تعالى: أمَّا إذ كَتَمَتِ الأَلسُنُ فاختموا على أفواههم، فيَختم اللهُ على أفواههم، وتَنطق أيديهم، وتَشهد أرجلُهم بما كانو يكسبون، فعند ذلك عرفَ المشركون أنَّ [9] اللهَ تعالى لا يُكتَمُ حديثًا؛ فذلك قولُه: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلَايَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا} [النِّساء:42] .
وأمَّا قولُه تعالى: {السَّمَاءُ بَنَاهَا*رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} [النازعات:27 - 28] فإنَّه خلقَ الأرضَ في يومَين قبلَ خلق السماء، ثُمَّ استَوى إلى السماء، فسَوَّاهنَّ في يومَين آخرَين، ثُمَّ نزلَ إلى الأرض فدَحَاها _ودَحْيُها: أن أَخرجَ منها الماءَ والمَرعى، وشقَّ فيها الأنهارَ، وجعلَ فيها السُّبُل، وخلق الجبالَ والرِّمالَ والآكامَ وما فيها_ في يومَين آخرَين؛ فذلك قولُه عزَّ وجلَّ: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات:30] وقولُه: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا} [فصلت:9] إلى قوله: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّآئِلِينَ} [فصلت:10] فخلق الأرضَ وما فيها من شيءٍ في أربعةِ أيامٍ، وخلق السماءَ في يومَين.
وقوله: {وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح:7] {وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفتح:14] {وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النِّساء:134] فإنَّه تبارك وتعالى نَحَلَ نفسه ذلك [10] ، وسَمَّى نفسَه بذلك، ولم يَنحَلْه أحدًا غيرَه، وكان إذ لم يزْل كذلك.
ثُمَّ قال ابن عَبَّاس للسائل [11] : احفظْ عني ما حدَّثتُك [12] ، واعلمْ أنَّ ما اختلفَ عليك من القرآن أشباهُ ما حدَّثتُك، وإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لم يُنزِلْ شيئًا [13] إلَّا وقد أصاب به الذي أراد، ولكنَّ الناس لا يعلمون، فلا يَختلفَنَّ عليك القرآنُ؛ فإنَّ كلًا من عند الله عزَّ وجلَّ. [خ¦4815 بعد]
قوله: (نزل إلى الأرض) لم يُخرَّج [14] .
[1] في (ظ) : (الإسفرايني) .
[2] زيد في (ظ) : (أنَّ) .
[3] زيد في (ظ) : (قول) .
[4] في النسختين (أ) و (ظ) : (والسماء) ، وكذا في الموضع اللاحق، والمثبت موافق للتلاوة.
[5] في (ظ) : (كتموا) .
[6] (فكأنَّه كان ثم تَقَضَّى) : ليس في (ظ) .
[7] في (ظ) : (فصعق) .
[8] في (أ) : (لا) ، والمثبت موافق للتلاوة.
[9] (أنَّ) : مثبت من (ظ) .
[10] في (ظ) : (بذلك) .
[11] (للسائل) : ليس في (ظ) .
[12] زيد في (ظ) : (به) .
[13] في (ظ) : (أشياء) .
[14] (قوله: نزل إلى الأرض، لم يُخرَّج) : ليس في (ظ) .