فهرس الكتاب

الصفحة 938 من 5201

حديث: قلت لأنس هل قنت رسول الله

688 - (م) حدَّثنا رَوح بن مُحمَّد الصُّوفي قال: أخبرنا عَلِيُّ بن أحمد قال: أخبرنا أبو إسحاق قال: أخبرنا أبو يَعلى قال: حدَّثنا أبو خَيْثَمة قال: حدَّثنا إسماعيل عن أَيُّوب:

عن مُحمَّد قال: قلت لأنس: هل قنتَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في صلاة الصُّبح؟ قال: نعم؛ بعدَ الرُّكوع، ثمَّ سُئل بعد ذلك: هل قنتَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في صلاة الصُّبح؟ قال: نعم؛ بعدَ الرُّكوع يسيرًا.

قد سُقْنا ما جاء في ذلك على الترتيب الذي ينبغي أن يُساقَ، وما أُرى أَوردَه كذلك أحدٌ في كتابه، ومَن وقف على تاريخ القصَّة، وعَلِمَ المتقدِّم والمتأخِّر من الحال؛ عرفَ صدقَ المقال، فإنَّ الشبهةَ إنَّما تحصُل لقلَّة مبالاتهم بمعرفة ذلك، فإنَّ كلَّ حديث مخصوصٌ بقومٍ آخرين، واردٌ في حالة أخرى دونَ ما قبلَه، فإذا اعتبرتَ ذلك، وسَبَرتَ سياقَنا وما هديناك إليه؛ أعطيتَ كلَّ حديثٍ حُكمَه، وعلمتَ أنَّ التركَ في الحديث الأول للدعاء على بني لَحيان [و] رِعْل وذَكْوان، وذلك قبل إسلام أبي هُرَيْرَة، فارجعْ إلى التواريخ حتَّى تتحقَّقَه، وأنَّ الإعراضَ في الحديث الآخر الذي هو من رواية أبي هُرَيْرَة هو عن الدعاء بنجاة المستضعَفين.

وقد بيَّن أبو هُرَيْرَة أنَّه أعرضَ عن ذلك صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ما قَدِموا، وأنَّ حكمَ القُنوتِ الذي هو القيام ثابتٌ بشهادة اثنين أبي هُرَيْرَة وأنس؛ أمَّا أبو هُرَيْرَة فادَّعى أن يقرِّبَ لهم صلاةَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ارتحال الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم عن دنياه الفانية، إلى عقباه الباقية؛ قام قانتًا داعيًا لأهل مِلَّته، لاعنًا لمن خالفه في نِحلته.

وأمَّا أنسٌ فاستُفتِي عنه أيضًا بعد ذلك؛ لأنَّ وفاتَه متأخرةٌ عن موت أبي هُرَيْرَة، فروايتُه بالمدينة، وروايةُ أنسٍ بالبصرة، والذي يروي عنه بَصْريٌّ، فقيل له: هل كان القُنوتُ؟ فأفتَى، وقال: بلى، واستُعيد الخبرُ عنه ثانيًا، فقال: بلى، وليس لقائلٍ أن يقول: إنَّما يَعني به الخبرَ عن قُنوت الدعاء على رِعْل وذَكْوان وعُصيَّة، أو قُنوت الدعاء بالنجاة؛ فإنَّه قد فصل في الحديث الذي سقناه من رواية عاصم عن أنس، فقال: قد كان القُنوت قبلَ الرُّكوع، فأثبتَه.

وإنَّما كان القنوتُ بعدَ الرُّكوع شهرًا، وما الذي يُفِرُّ الجَدِلَ عن أن يلتزمَ القُنوتَ، إمَّا قبلَه أو بعدَه، وقد جعلَهما اثنين، فإن قالوا: فهلَّا تجعلونه قبلَ الرُّكوع على ما ترْوونه؟ قلنا لهم: كنَّا نجعلُه قبلَ الرُّكوع لو لم يُفتِ بذلك دفعتَين، فقال: بعدَ الرُّكوع يسيرًا.

وجائزٌ أن يكونَ فعلَ ذلك صلَّى الله عليه وسلَّم مرةً، ثمَّ تحوَّل إلى ما بعدَ الرُّكوع، فأفتَى لمَّا استُفتِي بما عليه الأمرُ، والفتوى كيف، والصحابةُ كلُّهم وافقُوه في روايتهم القصَّة بعد الركوع؟ وهلمَّ جرَّا أهلُ المدينة الذين هم جيرانُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على ذلك قرنًا بعد قرن، وعصرًا بعد عصر إلى يومنا هذا، فظهرَ لكلِّ أثرٍ برأسِه على حدةٍ حُكمُه، وتبيَّن تأويلُه ومعناه، ولا عذرَ بحالٍ لمن تركَ القُنوتَ بعدَ الرُّكوع يسيرًا؛ لقول أنس وفتواه بذلك غيرَ مرةٍ واحدةٍ، واللهُ أعلمُ، فَلْيعملْ عليه المتديِّنُ، وأمَّا ما يُقرأ فيه من دعاءٍ مأثورٍ فليس في الكتابَيْن ذكرُ ذلك إلَّا أن يستنبطَ عالمٌ ما يقرأه فيه من غيرهما [1] .

[1] في هامش (أ) : (سمع من أول البلاغ إلى هنا من سيدنا الإمام الحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمَّد ابن الإمام أبي بكر أحمد بن عبد الله بن محمَّد، أدام الله أيَّامه وضاعف إنعامه، بحقِّ إجازته الصحيحة عن الحافظ أبي نعيم الحداد رحمه الله، بقراءة ابنه العبد الضعيف أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد، وسمع بقراءته ابناه أبو الحسن علي وأبو الفتح محمَّد، وعمُّهما الرشيد أبو عثمان عبد الرشيد، وحضر معه ابنه أبو الفوز محمَّد، وعمَّته عارفة ابنة الشيخ، وشرخاف بن خسروشاه بن شرخاف، ومحمَّد بن علي بن محمد بن علي بن منصور بن حسكا، ومحمد بن محمد بن أبي غالب بن أبي طالب حبشي، وسمع مِن «ذكر صلاة الإمام على موضع عالٍ» إلى ما هنا الشيخ؟؟؟ أبو عبيد الله؟؟ والسعيد محمَّد بن غانم المقرئ، والشيخ علي بن أبي بكر بن شكر، وصحَّ سماعهم وثبت في يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة، حامدًا ومصلِّيًا ومسلِّمًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت