فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 5201

229 - (م) حدَّثنا أبو بكر أحمد بن زاهر قال: أخبرنا أبو بكر مُحمَّد بن إبراهيم قال: أخبرنا مُحمَّد بن عيسى قال: حدَّثنا إبراهيم بن سفيان قال: حدَّثنا مسلم قال: حدَّثنا علي بن [خَشْرَم] قال: حدَّثنا أبو بكر بن عيَّاش قال:

سمعت المغيرة يقول: لم يكنْ يصدقُ على عليٍّ في الحديثِ عنه إلَّا مِن أصحاب عبد الله بن مسعود.

قال مسلم: وحدَّثنا حسن بن علي الحُلْواني قال: حدَّثنا يحيى بن آدم قال: حدَّثنا ابن إدريس عن الأعمش عن أبي إسحاق قال: لمَّا أحدَثُوا تلك الأشياءَ

ص 50

بعدَ عليٍّ، قال رجلٌ من أصحاب عليٍّ: قاتَلَهم اللهُ؛ أيَّ علمٍ أفسدوا؟

قال مسلم: وحدَّثنا داود بن عمرو الضَّبِّي قال: حدَّثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مُلَيكة قال: كتبتُ إلى ابن عَبَّاس أسألُه أن يكتبَ لي كتابًا ويُخفيَ عني، فقال: ولدٌ ناضجٌ، أنا أختارُ له الأمور اختيارًا وأُخفي عنه، قال: فدعا بقضاء عليٍّ، قال: فجعل يكتبُ منه أشياءَ، ويمرَّ به الشيء، فيقول: واللهِ ما قضى بهذا عليٌّ رضي الله عنه إلَّا أن يكونَ ضَلَّ.

قال مسلم: وحدَّثنا عمرو الناقد قال: أخبرنا سفيان بن عُيَيْنَة عن هشام بن حُجَير عن طاؤُوسٍ قال: أُتي ابنُ عَبَّاس بكتابٍ فيه قضاءُ عليٍّ، فمحاه إلَّا قَدْرًا، وأشار سفيان بن عُيَيْنَة بذراعه.

وقال مسلم: حدَّثنا مُحمَّد بن الصَّبَّاح قال: حدَّثنا إسماعيل بن زَكَرِيَّا عن عاصم الأحول عن ابن سِيرين قال: لم يكونوا يَسألون عن الإسنادِ، فلمَّا وقعت الفتنةُ قالوا: سَمُّوا لنا رجالَكم؛ فيُنظَرُ إلى أهل السُّنَّة، فيُؤخَذُ حديثُهم، ويُنظَرُ إلى أهل البدع، فلا يُؤخَذُ حديثُهم.

وقال مسلم: حدَّثنا الحسن بن الربيع قال: حدَّثنا حمَّاد بن زيد عن أَيُّوب وهشام عن ابن سِيرين قال: إنَّ هذا العلمَ دِينٌ؛ فانظروا عمَّن تَأخذون دِينَكم.

وقال مسلم: حدَّثني مُحمَّد بن عبد الله بن قُهْزَاذ من أهل مرو قال: سمعت عَبْدان بن عثمان يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الإسنادُ من الدِّين، ولولا الإسنادُ لَقالَ مَن شاء ما شاء.

وقال مُحمَّد بن عبد الله: حدَّثني العَبَّاس بن رَزْمة قال: سمعت عبد الله يقول: بينَنا وبينَ القوم القوائمُ، يعني: الإسناد.

قال مُحمَّد: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطَّالَقَاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا با عبد الرَّحْمَن؛ الحديثُ الذي جاء: «إنَّ من البِرِّ بعدَ البِرِّ أن تُصلِّيَ لأبوَيك مع صلاتِك، وتصومَ لهما مع صومِك؟» فقال عبد الله: يا با إسحاق؛ عمَّن هذا؟ قال: قلت: هذا من حديث شهاب بن خراش، قال: ثقةٌ عن مَن؟ قال: قلت: عن الحجَّاج بن دينار، قال: ثقةٌ عن مَن؟ قال: قلت: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: يا با إسحاق؛ إنَّ بينَ الحجَّاج بن دينار وبينَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مفاوزَ تَنقطعُ فيها أعناقُ المطيِّ، ولكنْ ليس في الصَّدَقةِ اختلافٌ.

وقال مسلم: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلي قال: أخبرنا عيسى بن يونس قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ عن سُلَيْمان بن موسى قال: لقيتُ طاؤُوسًا، فقلت: حدَّثني فلانٌ كَيتَ وكَيتَ، قال: إن كان مليًّا فخُذْ عنه.

وقال مسلم: حدَّثنا نصر بن علي الجَهْضَمي قال: حدَّثنا الأصمعي عن ابن أبي الزِّناد عن أبيه قال: أدركتُ بالمدينة مئةً كلُّهم مأمونٌ؛ ما يُؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس مِن أهلِه.

وقال مسلم: حدَّثني أبو بكر بن خَلَّاد الباهِلي قال: سمعت سفيان بن عُيَيْنَة عن مِسْعَر قال: سمعت سعد بن إبراهيم يقول: لا يُحدِّثْ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّا الثِّقَاتُ.

وقال مسلم: حدَّثني حجَّاج بن الشاعر قال: حدَّثنا سُلَيْمان بن حرب قال: حدَّثنا حمَّاد بن زيد قال: قال أَيُّوب: إنَّ لي جارًا _ثمَّ ذكرَ من فضله_ ولو شهد على تمرتَين ما رأيتُ شهادتَه جائزةً.

وقال مسلم: حدَّثني أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي قال: حدَّثني عبد الرَّحْمَن بن مَهْديٍّ عن حمَّاد بن زيد قال: ذكرَ أيوبُ رجلًا يومًا، فقال: لم يكنْ بمستقيمِ اللِّسان، وذكرَ آخرَ، فقال: هو يزيدُ في الرَّقْم.

وقال مسلم: حدَّثنا عمرو بن علي أبو حفص قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: سألتُ سفيانَ الثَّوريَّ وشُعبةَ ومالكَ وابنَ عُيَيْنَة عن الرجل لا يكون ثَبْتًا في الحديث، فيأتيني الرجلُ فيسألُني عنه، قالوا: أخبِرْ عنه أنَّه ليس بثَبْتٍ.

وقال مسلم: حدَّثني عمرو بن علي، وحسن الحُلْواني كلاهما: عن عَفَّان بن مسلم قال: كنَّا عند إسماعيل ابن عُلَيَّةَ، فحدَّث رجلٌ عن رجلٍ، فقلت: إنَّ هذا ليس بثَبْتٍ، قال: فقال الرجلُ: اغتبتَه؟ قال إسماعيل: ما اغتابَه، ولكنَّه حكمَ أنَّه ليس بثَبْتٍ.

وقال مسلم: حدَّثني مُحمَّد بن أبي عَتَّاب قال: حدَّثني عَفَّان عن مُحمَّد بن يحيى بن سعيد القطَّان عن أبيه قال:

ص 51

لم تَرَ الصالحينَ في شيءٍ أكذبَ منهم في الحديث، قال ابنُ أبي عَتَّاب: فلَقِيتُ أنا محمدَ بنَ يحيى بن سعيد القطَّان، فسألتُه عنه، فقال؛ عن أبيه: لم يُرَ أهلُ الخيرِ في شيءٍ أكذبَ منهم في الحديث.

قال مسلم: يقول: يجري الكذبُ على لسانِهم، ولا يَتعمَّدون الكذبَ.

وقال مسلم: حدَّثنا أبو عامر عبد الله بن بَرَّاد الأشعري قال: حدَّثنا أبو أسامة عن مُفَضَّل عن مغيرة قال: سمعت الشَّعبي يقول: حدَّثني الحارث الأعور، وهو يشهدُ أنَّه أحد الكذَّابين.

وقال مسلم: حدَّثنا قُتَيْبة بن سعيد قال: حدَّثنا جرير [عن مغيرة] عن إبراهيم قال: قال علقمة: قرأتُ القرآنَ في سنتين، فقال الحارث: القرآنُ هيِّنٌ، الوحيُ أشدُّ.

وقال مسلم: حدَّثني حجَّاج بن الشاعر قال: حدَّثنا أحمد ابن يونس قال: حدَّثنا زائدة عن الأعمش عن إبراهيم: [أنَّ] الحارث قال: تعلمتُ القرآنَ في ثلاثِ سنين، والوحيَ في سنتين، أو قال: الوحيَ في ثلاثِ سنين، والقرآنَ في سنتين.

وقال مسلم: حدَّثني حجَّاج قال: حدَّثنا أحمَد ابن يونس قال: حدَّثنا زائدة عن منصور، والمغيرة عن إبراهيم: أنَّ الحارثَ

اتُّهِم.

وقال مسلم: حدَّثنا قُتَيْبة بن سعيد قال: حدَّثنا جرير عن حمزة الزَّيَّات قال: سمع مُرَّةُ الهَمْدانيُّ من الحارث شيئًا، فقال له: اقعدْ بالباب، قال: فدخل مُرَّةُ وأخذ سيفَه، وحسَّ الحارثُ بالشَّرِّ، فذهبَ.

وقال مسلم: حدَّثنا أبو كامل الجَحْدَرِي قال: حدَّثنا حمَّاد _وهو ابن زيد_ قال: حدَّثنا عاصم قال: كنَّا نأتي أبا عبد الرَّحْمَن السُّلمي، ونحن غِلْمَةٌ أيفاعٌ، فكان يقول: لا تُجالِسُوا القُصَّاص غيرَ أبي الأحوص، وإيَّاكم وشَقيق، قال: وكان هذا يَرى رأيَ الخوارج، وليس بأبي وائل.

وقال مسلم: حدَّثني الفضل بن سهل قال: حدَّثنا عَفَّان بن مسلم قال: حدَّثنا هَمَّام قال: قدمَ علينا أبو داود الأعمى، فجعل يقول: حدَّثنا البراء، وحدَّثنا زيد بن أرقم، قال: فذكرْنا ذلك لقتادة، فقال: كذبَ، ما سمعَ منهم؛ إنَّما كان ذلك سائلًا يتكفَّفُ الناسَ زمنَ طاعونِ الجارِفِ.

وقال مسلم: حدَّثني حسن الحُلْواني قال: حدَّثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هَمَّام قال: دخلَ أبو داود الأعمى على قتادةَ، فلمَّا قام قالوا: إنَّ هذا يزعمُ أنَّه لقي ثمانية عشر بَدْريًا، فقال قَتَادَة: هذا كان سائلًا قبل الجارِفِ، لا يَعرضُ في شيءٍ من هذا ولا يَتكلَّم فيه؛ فواللهِ ما حدَّثَنا الحسنُ عن بَدْريٍّ مشافهةً، ولا حدَّثَنا سعيدُ بن المُسَيَّبِ عن بَدْريٍّ مشافهةً إلَّا عن سعد بن مالك.

وقال مسلم: حدَّثنا عبد الله بن سعيد قال: سمعت النَّضْر يقول: سُئل ابنُ عون عن حديث لشهرٍ، وهو قائم على أُسْكُفَّةِ الباب، فقال: إنَّ شَهْرًا نَزَكُوه، إنَّ شَهْرًا نَزَكُوه.

قال مسلم: يقول: أخذتْه ألسنةُ الناس، تكلَّموا فيه.

وقال مسلم: حدَّثني حجَّاج بن الشاعر قال: حدَّثنا شَبَابة قال: قال شعبة: قد لقيتُ شهرًا، فلم أعتدَّ به.

وقال مسلم: حدَّثنا حسن الحُلْواني قال: سمعت عَفَّان قال: سمعت أبا عَوانة [قال] : ما بلغني عن الحسن حديثٌ إلَّا أتيتُ به أبانَ بنَ أبي عيَّاش، فقرأه عليَّ.

وقال مسلم: حدَّثنا سويد بن سعيد قال: حدَّثنا علي بن مُسْهِر قال: سمعتُ أنا وحمزةُ الزَّيَّاتُ من أبانَ بن أبي عيَّاش نحوًا من ألف حديث، قال عليٌّ: فلقيتُ حمزةَ، فأخبرني أنَّه رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المنام، فعَرض عليه ما سمعَ من أبانَ، فما عرفَ منها إلَّا شيئًا يسيرًا، خمسةً أو ستةً.

وقال مسلم: وحدَّثنا الحسن الحُلْواني قال: حدَّثنا نعيم قال: حدَّثنا أبو داود الطَّيَالِسي عن شعبة عن يونس بن عبيد قال: كان عمرُو بنُ عُبيد يكذبُ في الحديث.

وقال مسلم: حدَّثني عمرو بن علي أبو حفص قال: سمعت معاذ بن معاذ يقول: قلت لعوف بن أبي جميلة: إنَّ عمرَو بنَ عُبيد حدَّثنا عن الحسن: أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «مَن حملَ السِّلاحَ منَّا فليس منَّا» قال: كذبَ واللهِ عمرٌو، ولكنَّه أراد أن يُجَوِّزَها [إلى] قوله الخبيث.

وقال مسلم: حدَّثنا عُبَيْد الله بن عمر القَوَارِيري قال: حدَّثنا حمَّاد بن زيد قال: كان رجلٌ قد لزم أَيُّوب وسمع منه، ففقده أيوبُ، فقالوا: يا أبا بكر؛ إنَّه قد لزم عمرَو بنَ عُبيد، قال حمَّاد: فبينا أنا يومًا مع أَيُّوب، وقد بكَّرنا إلى السُّوق، فاستقبله الرجلُ، فسلَّم عليه وسأله، ثمَّ قال له أيوبُ: بلَغَني أنَّك لزمتَ ذلك الرجلَ _قال حمَّادُ: سمَّاه يعني: عمرًا_ قال: نعم يا با بكرٍ؛ إنَّه يجيئنا بأشياءَ غرائبَ، فقال له أَيُّوب: إنَّما نفرُّ، أو نفرَقُ من تلك الغرائب.

وقال مسلم: حدَّثني حجَّاج بن الشاعر قال: حدَّثنا سُلَيْمان بن حرب قال: حدَّثنا حمَّاد بن زيد قال: قيل لأيوب: إنَّ عمرَو بنَ عُبيد روى عن الحسن قال: لا يُجلَدُ

ص 52

السَّكرانُ من النَّبيذ، فقال: كذبَ؛ أنا سمعتُ الحسنَ يقول: يُجلَدُ السَّكرانُ من النَّبيذ.

وقال مسلم: حدَّثني حجَّاج قال: حدَّثنا سُلَيْمان بن حرب قال: سمعت سلَّام بن أبي مُطيع يقول: بلغ أيوبَ أنِّي آتي عمرًا، فأقبل عليَّ يومًا، فقال: أرأيتَ رجلًا لا تأمنُه على دِينه؛ كيف تأمنُه على الحديث؟

وقال مسلم: حدَّثني سَلَمة بن شَبيب قال: حدَّثنا الحُميدي قال: حدَّثنا سفيان قال: سمعت أبا موسى يقول: حدَّثنا عمرُو بنُ عُبيد قبل أن يُحدِث.

وقال مسلم: حدَّثني أبو جعفر الدَّارِمي قال: حدَّثنا بشر بن عمر قال: سألتُ مالكًا عن مُحمَّد بن عبد الرَّحْمَن الذي يَروي عن سعيد بن المُسَيَّبِ، فقال: ليس بثقةٍ، وسألتُه عن صالح مولى التَّوْءَمَة، فقال: ليس بثقةٍ، وسألتُه عن حَرَام بن عثمان، فقال: ليس بثقةٍ، وسألتُه عن أبي الحُوَيْرث، فقال: ليس بثقةٍ، وسألتُه عن شُعبة الذي يَروي عنه ابنُ أبي ذئبٍ، فقال: ليس بثقةٍ، سألتُ مالكَ عن هؤلاء الخمسة، فقال: ليسوا بثقاتٍ في حديثهم، وسألتُه عن رجلٍ آخرَ نسيتُ اسمَه، فقال: هل رأيتَه في كُتُبي؟ قلتُ: لا، قال: لو كان ثقةً لَرأيتَه في كُتُبي.

وقال مسلم: حدَّثني الفضل بن سهل قال: حدَّثني يحيى بن مَعين قال: حدَّثنا حجَّاج قال: حدَّثنا ابن أبي ذئب عن شُرَحْبِيل بن سعد، وكان متَّهَمًا.

وقال مسلم: حدَّثني مُحمَّد بن عبد الله بن قُهْزَاذ قال: سمعت أبا إسحاق الطَّالَقَاني يقول: سمعت ابن المبارك يقول: لو خُيِّرت بينَ أنْ أدخلَ الجنةَ، وبينَ أنْ ألقى عبدَ الله بن مُحَرَّر لاخترتُ أن ألقاه ثمَّ أدخلَ الجنةَ، فلمَّا رأيتُه كانت بعرةٌ أحبَّ إلي.

وقال مسلم: حدَّثني مُحمَّد بن رافع، وحجَّاج بن الشاعر قالا: حدَّثنا عبد الرَّزَّاق قال: قال مَعْمَر: ما رأيت أيوبَ اغتابَ أحدًا قطُّ إلَّا عبدَ الكريم أبا أميَّةَ، فإنَّه ذكره، فقال: رحمه الله، كان غيرَ ثقةٍ، لقد سألني عن حديثٍ لعكرمة، ثمَّ قال: سمعتُ عِكْرِمَة.

وقال مسلم: حدَّثني أحمد بن إبراهيم قال: حدَّثني سُلَيْمان بن حرب عن حمَّاد بن زيد قال: ذُكِرَ فَرْقَدُ عند أيوبَ، فقال: إنَّ فَرْقَدَ ليس صاحبَ حديثٍ.

وقال مسلم: حدَّثنا محمود بن غَيْلان قال: قلتُ لأبي داودَ الطَّيَالِسي: قد أكثرتَ عن عَبَّاد بن منصور؛ فما لك لم تسمعْ منه حديثَ العَطَّارَة الذي رَوَى لنا النَّضْرُ بنُ شُمَيل، فقال لي: اسكتْ؛ فأنا لقيتُ زيادَ بن ميمون وعبدُ الرحمن بن مَهْديٍّ، فسألناه، فقلنا له: هذه الأحاديثُ التي تَرِويها عن أنس؟ فقال: أرأيتُما رجلًا يُذنب، فيتوبُ؛ أليس يتوبُ اللهُ عزَّ وجلَّ عليه؟ قال: قلنا: نعم، قال: ما سمعتُ من أنسٍ من ذا قليلًا ولا كثيرًا؛ إنْ كان لا يعلم الناسُ فأنتما لا تعلمان أني لم ألقَ أنسًا؟! قال أبو داود: فبلَغنا بعدُ أنَّه يَروي، فأتيناه أنا وعبدُ الرحمن، فقال: أتوبُ، ثمَّ بَعْدُ كان يحدِّث، فتركناه.

وقال مسلم: حدَّثنا حسن الحُلْواني قال: سمعت يزيد بن هارون، وذكر زياد بن ميمون فقال: حلفتُ أن لا أرويَ عنه شيئًا، ولا عن خالد بن مَحْدوج، قال: لقيت زياد بن ميمون، فسألته عن حديث، فحدَّثني به عن بكر المُزَني، ثمَّ عدت إليه فحدَّثني به عن مُوَرِّق، ثمَّ عدتُ إليه فحدَّثني به عن الحسن، وكان ينسبُهما إلى الكذب.

قال الحُلْواني: سمعت عبد الصمد، وذُكر عندَه زيادُ بن ميمون، فنسبَه إلى الكذب.

وقال مسلم: حدَّثنا أبو غسان مُحمَّد بن عمرو الرَّازي قال: سمعت جريرًا يقول: لقيتُ جابرَ بنَ يزيدَ الجُعْفِي، فلم أعتدَّ به؛ كان يؤمن بالرَّجْعة.

وقال مسلم: حدَّثنا حسن الحُلْواني قال: حدَّثنا يحيى بن آدم قال: حدَّثنا مِسْعَر قال: حدَّثنا جابر قبل أنْ يُحدِثَ ما أحدَثَ.

وقال مسلم: حدَّثني سَلَمة بن شَبيب قال: حدَّثني الحُميدي قال: حدَّثنا سفيان قال: كان الناسُ يَحملون عن جابر قبلَ أن يُظهرَ ما أظهرَ، فلما أظهرَ ما أظهرَ اتَّهمَه الناسُ في حديثه، وتركَه بعضُ الناس، فقيل له: وما أظهرَ؟ قال: الإيمانَ بالرَّجْعة.

وقال مسلم: حدَّثنا حسن الحُلْواني قال: حدَّثنا أبو يحيى الحِمَّاني قال: حدَّثنا قَبيصة وأخوه أنَّهما سمعا الجَرَّاح بنَ مَلِيح يقول:

ص 53

سمعت جابرًا يقول: عندي سبعونَ ألفَ حديثٍ عن أبي جعفرٍ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كلُّها.

وقال مسلم: حدَّثني حجَّاج بن الشاعر قال: حدَّثنا أحمد ابن يونس قال: سمعت زهيرًا يقول: قال جابر، أو سمعت جابرًا يقول: إنَّ عندي لَخمسينَ ألفَ حديثٍ ما حدَّثتُ منها بشيءٍ، قال: ثمَّ حدَّث يومًا بحديثٍ، فقال: هذا من الخمسين ألف.

وقال مسلم: حدَّثني سَلَمة بن شَبيب قال: حدَّثنا الحُميدي قال: حدَّثنا سفيان قال: سمعت رجلًا سأل جابرًا عن قوله تعالى: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف:80] فقال جابر: لم يجئْ تأويلُ هذه، قال سفيان: فكذبَ، فقلنا: وما أراد بهذا؟ قال: إنَّ الرافضةَ تقول: إنَّ عليًّا في السَّحاب، فلا نخرجُ مع مَن خرج مِن ولده حتَّى يناديَ منادٍ من السَّماء _يريد عليًّا أنَّه ينادي_: اخرُجُوا مع فلانٍ، يقول جابر: فذا تأويلُ هذه الآية، وكذبَ؛ كانت في إخوة يوسف.

وقال مسلم: حدَّثني سَلَمة قال: حدَّثنا الحُميدي قال: حدَّثنا سفيان قال: سمعت جابرًا يحدِّث بنحوٍ من ثلاثينَ ألفَ حديثٍ؛ ما أستحلُّ أن أذكرَ منها شيئًا، وإنَّ لي كذا وكذا.

وقال مسلم: حدَّثنا محمود بن غَيْلان قال: حدَّثنا أبو داود قال: قال لي شعبة: ائتِ جريرَ بنَ حازمٍ، فقل له: لا يحلُّ لك أن ترويَ عن الحسن بن عُمَارة؛ فإنَّه يَكذبُ، قال أبو داود: قلت لشعبة: وكيف ذاك؟ فقال: حدَّثنا الحَكَمُ بأشياءَ لم أجدْ لها أصلًا، قال: قلت له: بأيِّ شيءٍ؟ قال: قلت للحَكَم: أصلَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على قتلى أُحُدٍ؟ فقال: لم يصلِّ عليهم، فقال الحسنُ بنُ عُمَارة: عن الحَكَم عن مِقْسَم عن ابن عَبَّاس: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى عليهم ودفَنَهم، قلت للحَكَم: ما تقول في أولاد الزِّنى؟ قال: يُصلَّى عليهم، فقلت: مِن حديث مَن يُروى؟ قال: يُروى عن الحسن البصريِّ، فقال الحسنُ بنُ عُمَارة: حدَّثنا الحَكَم عن يحيى بن الجَزَّار عن عليٍّ.

وقال مسلم: حدَّثني عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارِمي قال: سمعت أبا نُعيم، وذُكِرَ المُعَلَّى بنُ عرْفان، فقال: قال: حدَّثنا أبو وائل قال: خرج علينا ابنُ مسعودٍ بصِفِّين، فقال أبو نُعيم: تراه بُعثَ بعدَ الموت؟!

وقال مسلم: حدَّثني عُبَيْد الله بن سعيد قال: حدَّثنا عبد الرَّحْمَن بن مَهْديٍّ قال: حدَّثنا حمَّاد بن زيد عن ابن عَون قال: قال لنا إبراهيمُ: إيَّاكم والمغيرةَ بن سعيد وأبا عبد الرحيم؛ فإنَّهما كذَّابان.

وقال مسلم: حدَّثنا عثمان ابن أبي شَيْبَةَ قال: حدَّثنا جرير عن رَقَبَةَ: أنَّ أبا جعفرٍ الهاشميَّ المَدينيَّ كان يضعُ أحاديثَ كلامَ حقٍّ، وليستْ من أحاديث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان يرويها عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

وقال مسلم: سمعت أبا غسان مُحمَّد بن عمرو الرَّازي قال: سألت جرير بن عبد الحَمِيد، فقلت: الحارثُ بنُ حَصِيرة، لقيتَه؟ قال: نعم، شيخٌ طويلُ السُّكوت، يُصرُّ على أمر عظيم.

وقال مسلم: قال مُحمَّد _يعني: ابن قُهْزَاذ_ قال: سمعت علي بن شقيق يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: دَعوا حديثَ عمرِو بن ثابت؛ فإنَّه كان يسبُّ السَّلَفَ.

وقال مسلم: حدَّثني ابن قُهْزَاذ قال: أخبرنا عَلِيُّ بن الحُسَين بن واقد قال: قال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان الثوري: إنَّ عبَّاد بن كَثِير مَن تعرف حالَه، وإذا حدَّث جاء بأمرٍ عظيمٍ، فنرى أن أقولَ للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال سفيانُ: بلى، قال عبد الله: فكنتُ إذا كنتُ في مجلسٍ ذُكر عَبَّادٌ أثنيتُ عليه في دِينه، وأقول: لا تأخذوا عنه.

وقال مسلم: قال مُحمَّد _يعني: ابن قُهْزَاذ_ حدَّثنا عبد الله بن عثمان قال: قال لي أبي: قال عبد الله بن المبارك: انتهيتُ إلى شُعبةَ، قال: هذا عَبَّاد بن كَثِير؛ فاحذَرُوه.

وقال مسلم: حدَّثني الفضل بن سهل قال: سألتُ مُعَلَّى الرَّازي عن مُحمَّد بن سعيد المَديني الذي رَوى عنه عَبَّاد، فأخبرني

عن عيسى بن يونس قال: كنتُ على بابِه، وسفيانُ عندَه، فلمَّا خرجَ سألتُه عنه، فأخبرني أنَّه كذَّاب.

وقال مسلم: حدَّثني يوسف الأزدي قال: سمعت عبد الرَّزَّاق يقول: ما رأيتُ ابنَ المبارك يُفصِحُ بقوله: (كذَّاب) إلَّا لعبدِ القُدُّوس؛ فإنِّي سمعتُه يقول له: كذَّاب.

وقال مسلم: حدَّثنا حسن الحُلْواني قال: سمعت شَبَابة يقول: كان عبدُ القُدُّوس يحدِّثنا، فيقول: سويد بن غفلة، قال شَبَابة: فسمعتُ عبدَ القُدُّوس يقول: نهى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُتَّخذَ الرَّوْحُ عَرْضًا، قال: فقيل له: أيُّ شيء هذا؟ قال: يعني: تُتَّخَذُ كُوَّةً في حائطٍ؛ لِيدخُلَ عليه الرَّوْحُ.

وقال مسلم: سمعت الحسن بن علي الحُلْواني يقول: رأيت في كتاب عَفَّان حديث هشام أبي المِقْدام حدَّث عمرُ بنُ عبد العزيز، قال هشام: حدَّثني رجلٌ يقال له: يحيى بنُ فلان عن محمدِ بنِ كعبٍ؛ قلت لعفَّانَ: إنَّهم يقولون: هشامٌ سمعَه من مُحمَّد بن كعب، فقال: إنَّما ابتُلي مِن قِبَل هذا الحديث؛ كان يقول: حدَّثني

ص 54

يحيى عن محمدٍ، ثمَّ ادَّعى بعدُ أنَّه سمعَه من محمَّدٍ.

وقال مسلم: حدَّثني مُحمَّد بن عبد الله بن قُهْزَاذ قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن جَبَلة يقول: قلت لعبد الله بن المبارك: مَن هذا الذي رويتَ عنه حديثَ عبد الله بن عمرٍو: «يومُ الفطرِ يومُ الجوائز» ؟ قال سُلَيْمان بن الحجَّاج: انظرْ ما وضعتَ في يدكَ منه.

وقال مسلم: قال: قال ابن قُهْزَاذ: سمعتُ وَهْب بن زَمْعَة يَذكر عن سفيان بن عبد الملك قال: قال عبد الله بن المبارك: رأيتُ رَوْح بن غُضَيف صاحبَ الدَّم قَدْرَ الدِّرهمِ، وجلستُ إليه مجلسًا، فجعلتُ أستحْيِي من أصحابي أن يَرَوني جالسًا معه؛ كَرِهَ حَديثَه.

وقال مسلم: سمعت الحسن بن عيسى يقول: قال لي ابن المبارك: إذا قدمتَ على جريرٍ، فاكتبْ عِلْمه إلَّا حديثَ ثلاثةٍ؛ لا تكتبْ حديثَ عبيدةَ بنِ مُعَتِّب، والسَّرِيِّ بن إسماعيل، ومحمد بن سالم.

وقال مسلم: حدَّثني الفضل بن سَهْل قال: حدَّثنا يزيد بن هارون قال: أخبرني خليفة بن موسى قال: دخلتُ على غالب بن عُبَيْد الله، فجعل يُملي عليَّ: حدَّثني مَكْحُول، حدَّثني، فأخذَه البولُ، فقام، ونظرتُ في الكُرَّاسَة، فإذا فيها حدَّثني أبانُ عن أنس، وأبانُ عن فلان، فتركتُه وقمتُ.

وقال مسلم: حدَّثني الفضل بن سهل قال: حدَّثنا وليد بن صالح قال: قال عُبَيْد الله بن عمرو: قال زيد بن أبي أُنَيْسة: لا تأخذوا عن أخي.

وقال مسلم: حدَّثني أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي قال: حدَّثني عبد السلام الوَابِصي قال: حدَّثني عبد الله بن جعفر الرَّقِّيُّ عن عُبَيْد الله بن عمرو قال: كان يحيى بن أبي أُنَيْسَة كذَّابًا.

وقال مسلم: حدَّثني عُبيد الله بن معاذ العَنْبري قال: حدَّثنا أبي قال: كتبتُ إلى شعبةَ أسأله عن أبي شَيبة قاضي واسِط، فكتبَ إليَّ: لا تكتبْ عنه شيئًا، ومَزِّقَ كتابي.

وقال مسلم: حدَّثنا الحَلْواني قال: سمعت عَفَّان قال: حدَّثنا حمَّاد بن سَلَمة عن صالح المُرِّي بحديث عن ثابت، فقال: كذبَ، وحدَّثني همَّام عن صالح المُرِّي بحديثٍ، فقال: كذبَ.

وقال مسلم: حدَّثني ابن قُهْزَاذ قال: سمعتُ وَهْب بن زَمْعَة يقول: عن سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك قال: بَقِيَّةُ صدوقُ اللسان، ولكنَّه يأخذُ عن مَن أقبَلَ وأدبَرَ.

وقال مسلم: حدَّثنا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارِمي قال: أخبرنا زَكَرِيَّا بن عدي قال: قال لي أبو إسحاق الفَزَاري: اكتبْ عن بَقِيَّةَ ما رَوى عن المعروفين، ولا تكتبْ ما رَوى عن غير المعروفين، ولا تكتبْ عن إسماعيلَ بن عيَّاش ما رَوى عن المعروفين ولا عن غيرهم.

وقال مسلم: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلي قال: سمعتُ بعضَ أصحابِ عبدِ الله قال: قال لي ابن المبارك: نِعمَ الرجلُ بَقِيَّةُ، لولا أنَّه يُكنِّي الأساميَ ويُسمِّي الكُنى؛ كان دهرًا يحدِّثنا عن أبي سعيد الوَحَاظي، فنظرنا فإذا هو عبدُ القُدُّوس.

وقال مسلم: سمعت عُبَيْد الله بن عمر القَوَارِيري يقول: سمعت حمَّاد بن زيد يقول لرجلٍ بعد ما جلس مهدي بن هلال بأيامٍ: ما هذه العينُ المالحةُ التي نبعَتْ قِبَلَكم؟ قال: نعم يا با إسماعيل.

وقال مسلم: حدَّثني عبد الرَّحْمَن بن بشر العَبْدي قال: سمعت يحيى بن سعيد القطَّان، وذُكر عنده محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عُبيد بنِ عُمَير اللَّيثيُّ، فضعَّفه جدًّا، فقيل ليحيى: أضعفُ مِن يعقوبَ بنِ عطاءٍ؟ قال: نعم، ثمَّ قال: ما كنتُ أرى أنَّ أحدًا يَروي عن مُحمَّد ابن عبيد [1] بن عمير.

وقال مسلم: حدَّثني بشر [بن] الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد القطَّان ضعَّف حَكيمَ بن جُبَيْر وعبدَ الأعلى، وضعَّف يحيى بنَ موسى بنِ دينار، وقال: حديثُه رِيحٌ، وضعَّف موسى بنَ دِهْقان وعيسى بنَ أبي عيسى المدني.

وقال مسلم: وما كان من الأخبار عن قوم هم عند أهل الحديث متَّهَمون، أو عندَ الأكثر، فلسنا نتشاغَلُ بتخريجِ حديثِهم كعبد الله بن مِسْوَر أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المَصْلُوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبي داود النَّخْعي، وأشباههم ممن اتُّهم بوضع الأحاديث وتوليدِ الأخبار.

وكذلك مَن الغالبُ على حديثه المنكَرُ أو الغَلَطُ أمسكْنَا أيضًا عن حديثهم، وعلامةُ المنكَر في حديث المحدِّث: أنَّه إذا ما عُرضتْ روايتُه للحديث على روايةِ غيرِه من أهل الحفظِ والرِّضا، خالفتْ روايتُه روايتَهم، أو لم تكدْ توافقُها، فإذا كان الأغلبُ [من حديثِه]

ص 55

كذلك؛ كان مهجورَ الحديث غيرَ مقبولِه ولا مستعمَلِه.

فمِن هذا الضرب مِن المحدِّثين: عبدُ الله بن مُحَرَّر، ويحيى بنُ أبي أُنَيْسة، والجَرَّاح بن المِنْهال، وعَبَّاد بن كَثِير، وحسين بن عبد الله بن ضُمَيْرة، وعمر بن صَهْبَان، ومَن نحا نحوَهم في روايةِ المنكَر من الحديث، فلسنا نُعرِّج على حديثهم ولا نتشاغَلُ به؛ لأن حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قَبول ما يتفرَّد به المحدِّث من الحديث: أن يكونَ قد شارَكَ الثِّقاتَ من أهل الحفظ في بعض ما رَوَوا، أو أمعن في ذلك على الموافقة، فإذا وُجد كذلك ثمَّ زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قُبلت زيادتُه.

فأمَّا مَن تراه يَعمِدُ لمثل الزُّهري في جلالته وكثرة أصحابه الحُفَّاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل العلم مبسوطٌ مشتركٌ، قد نقل أصحابُهما عنهما حديثَهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيَروي عنهما أو عن أحدهما العددَ من الحديث ممَّا لا يعرفُه أحدٌ من أصحابه، وليس ممن شارَكَهم في الصحيح ممَّا عندهم؛ فغيرُ جائزٍ قَبولُ حديث هذا الضرب من كلِّ الناس، والله أعلم.

وقد شرَحْنا من مذهب الحديث وأهله بعضَ ما يتوجَّه به مَن أراد سبيل القوم ووُفِّق لها، وسنزيد إن شاء الله شرحًا وإيضاحًا.

واعلمْ _وفَّقك الله_ أنَّ الواجبَ على كلِّ أحدٍ عرفَ التمييزَ بين صحيحِ الرِّوايات وسقيمِها، وثقاتِ الناقلين لها من المتَّهمين أنْ لا يرويَ منها إلَّا ما عرفَ صحةَ مَخارجه والسِّتارةَ في ناقليه، وأنْ يتَّقيَ منها ما كان منها عن أهل التُّهم والمعاندين من أهل البدع.

والدليلُ على أنَّ الذي قلْنا مِن هذا هو اللازمُ دونَ ما خالَفَه: قولُ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6] وقال جلَّ ثناؤه: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} [البقرة:282] وقال: {أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق:2] فدلَّ بما ذكرَه من هذه الآي أنَّ خبرَ الفاسقِ ساقطٌ غيرُ مقبولٍ، وأنَّ شهادةَ غيرِ العَدْل مردودةٌ، والخبرُ، وإنْ فارَقَ معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما؛ إذ كان خبرُ الفاسقِ غيرُ مقبولٍ عند أهل العلم، كما أنَّ شهادتَه مردودةٌ عند جميعهم، ودلَّتِ السُّنَّةُ على نفي رواية المنكَر من الأخبار كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق، وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَن حدَّث عني بحديثٍ، يَرى أنَّه كذبٌ، فهو أحد الكاذِبين» .

وأشباهُ ما ذكرْناه من كلام أهل العلم في متَّهمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثيرٌ يطول الكتاب بذكره على استقصائه، وفيما ذكرْنا كفايةٌ لمن تفهَّم وعَقلَ مَذهبَ القومِ فيما قالوا من ذلك وبيَّنوا، وإنَّما ألزموا أنفسَهم الكشفَ عن مَعايب رُواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتَوا بذلك حين سُئلوا لِمَا فيه من عُظْمِ الحظِّ؛ إذ الأخبارُ في أمر الدِّين إنَّما تأتي بتحليلٍ أو تحريمٍ، أو أمرٍ أو نهيٍ، أو ترغيبٍ أو ترهيبٍ، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدنٍ للصدق والأمانة، ثمَّ أقدَمَ على الرِّواية عنه مَن قد عرفَه، ولم يبيِّنْ ما فيه لغيره ممن جهلَ معرفتَه كان آثمًا بفعله ذلك غاشًّا لعوامِّ المسلمين؛ إذ لا يُؤمَن على بعض مَن سمع تلك الأخبارَ أن يستعملَها أو يستعملَ بعضَها، ولعلَّها أو أكثرَها أكاذيبُ لا أصلَ لها، مع أنَّ الأخبارَ الصِّحاحَ مِن رواية الثِّقات وأهل القناعة أكثرُ من أن يُضطرَّ إلى نقل مَن ليس بثقةٍ ولا مَقْنَعٍ.

ولا أحسَبُ كثيرًا ممن يُعرِّجُ من الناس على ما وصفْنا من هذه الأحاديث الضِّعاف والأسانيد المجهولة، ويَعتدُّ بروايتها بعد معرفتِه [بما] بها من الوهن والضعف إلَّا أن الذي يحمله على روايتِه والاعتدادِ بها إرادةُ التكثير بذلك عند العوامِّ، ولَأنْ يُقال: ما أكثرَ ما جمعَ فلانٌ من الحديث وألَّفَ من العدد؛

ومَن ذهبَ في العلم هذا المَذهبَ، وسلكَ هذا الطريقَ فلا نصيبَ له فيه،

ص 56

وكان بأن يُسمَّى جاهلًا أَولى مِن أن يُنسبَ إلى علمٍ، واللهُ المُعين المُوفِّق للصواب.

[1] في (أ) : (عبيد الله) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت