ومنها: دَفعةٌ أخرى في سفرةٍ سَافَرَها، واجتماع الأَشْجَارَتَينِ [1] لِتَسَتُّرِ [2] رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بهما [3] في التَّبَرُّز:
2992 - (م) حدَّثنا رَوح بن محمَّد قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد قال: أخبرنا أبو إسحاق قال: حدَّثني أبو يَعلى والصُّوفي قالا: حدَّثنا هارون بن معروف قال: حدَّثنا حاتم بن إسماعيل عن يعقوب بن [4] مجاهد عن عبادة بن الوليد:
عن جابر بن عبد الله قال: سِرْنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى نَزلْنا واديًا أَفْيَحَ، فذهب رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقضي حاجتَه، فاتَّبعتُه بإدوَاةٍ من ماءٍ، فنظر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلم يَرَ شيئًا يَستترُ به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلَقَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى إحداهما، فأخذ بغصنٍ من أغصانها، فقال: «انقادِي عليَّ بإذن الله» فانقادَتْ معه كالبعير المَخشُوش الذي يُصَانِعُ قائدَه، حتَّى أتى [5] الشَّجرةَ الأخرى، فأخذ بغصنٍ من أغصانها، فقال: «انقادِي عليَّ بإذن الله» فانقادَت معه كذلك، حتَّى إذا كان بالمَنْصَفِ ممَّا بينهما لأَمَ بينَهما _يعني: جمعَهما_ فقال: «اِلْتَئِمَا عليَّ بإذن الله» فالْتَأَمَتَا، قال جابر: فخرجتُ أُحضِرُ؛ مخافةَ أن يُحسَّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقربي قِبَلَه، فتبعَّدتُ _أو قال: فتَبَاعدتُ_ فجلستُ أُحدِّث نفسي، فحانت منِّي لفتةٌ؛ فإذا أنا برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُقبِلًا، وإذا الشَّجرتانِ قد افترَقَتَا حتَّى قامتْ كلُّ واحدةٍ منهما على ساقٍ، فرأيتُ
ص 492
رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقفَ وقفةً، فقال برأسه هكذا _وأشار أبو إسماعيلَ حاتمٌ برأسِه يمينًا وشمالًا_ ثمَّ أَقبَلَ، فلمَّا انتهى إليَّ قال: «يا جابرُ؛ هل رأيتَ مَقامي؟» قلت: نعم [6] يا رسول الله، قال: «فانطلِقْ [7] إلى الشَّجرتَين، فاقطعْ من كلِّ واحدةٍ منهما غصنًا، فأَقبِلْ بهما، حتَّى إذا قمتَ مَقامي فأَرسِلْ غصنًا عن يمينك وغصنًا عن يسارك» قال جابر: فقمتُ، فأخذتُ حَجَرًا، فكسرتُه وحسرتُه، فانذَلَقَ لي، فأَتيتُ الشَّجرتَين، فقطعتُ من كلِّ واحدةٍ منهما غصنًا، ثمَّ أَقبلتُ أجرُّهما، حتَّى إذا قمتُ مَقامَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أَرسَلتُ غصنًا عن يميني وغصنًا عن شمالي، ثمَّ لحقتُ، فقلت: قد فعلتُ يا رسولَ الله، فَفِيمَ ذاك؟ قال: «إنِّي مرَرتُ بقَبرَين يُعذَّبان، فأَحبَبتُ بشفاعتي أن يُرَفَّه عنهما ما دام الغُصنانِ رَطبتَين [8] » قال: فأتينا العسكرَ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يا جابرُ؛ نادِ بِوَضوءٍ» فقلت: ألا وَضوءٌ؟ ألا وَضوءٌ؟ ألا وَضوءٌ؟ ثلاثًا، قال: قلت: يا رسول الله؛ ما وجدتُ في الرَّكب من قطرةٍ، قال [9] : فكان رجلٌ من الأنصار يُبَرِّد لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الماءَ في أشجابٍ له على حِمَارةٍ من جَرِيدٍ، فقال لي: «انطلِقْ إلى فلانٍ الأنصاريِّ، فانظرْ هل في أَشجَابِه من شيءٍ؟» قال [10] : فانطلقتُ إليه، فنظرتُ فيها، فلم أجدْ فيها إلَّا قطرةً في عَزْلاءِ شجْبٍ منها لو أنِّي أَفرغتُه لَشَرِبَه يابسُه، قال: «اذهبْ، فَائْتِني به» قال: فأتيتُه به، فأَخذَه بيدِه، فجعل يَتكلَّم بشيءٍ لا أدري ما هو، ويَغمزُه بيدِه، ثمَّ أَعطَانيه، فقال: «يا جابرُ؛ نادِ بِجَفْنةِ الرَّكب» فقلت: يا جَفْنةَ الرَّكب، قال: فأُتيتُ بها تُحمَل، فوضعتُها بين يَدَيه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيده هكذا، فبَسَطَها في الجَفْنَة وفرَّق بين أصابعه، ثمَّ وضعَها في قعرِ الجَفنة، فقال: «خُذْ يا جابرُ، فصُبَّ عليَّ، وقلْ: بسم الله» فصبَبتُ عليه وقلت: بسم الله، فرأيتُ الماءَ يَفورُ من بين أصابع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ فارَتِ الجَفنةُ ودارَتْ حتَّى امتلأتْ، فقال: «يا جابرُ؛ نادِ مَن كان له حاجةٌ بماءٍ» قال: فأَتى النَّاسُ، فاستَقَوا حتَّى رَوُوا، فقلت: «هل بقي أحدٌ له حاجةٌ؟» قال: فرفع رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يده من الجَفنة، وهي ملأى.
[1] في (ظ) : (الأشاتين) ، ولعل المثبت له وجهٌ صحيح.
[2] في (ظ) : (ليستر) .
[3] في (ظ) : (بها) .
[4] في (ظ) : (عن) ، وهو تحريف.
[5] في (ظ) : (إلى) .
[6] (نعم) : ليس في (ظ) .
[7] (قال فانطلق) : ليس في (ظ) .
[8] في (ظ) : (رطبين) .
[9] (قال) : ليس في (ظ) .
[10] (قال) : مثبت من (ظ) .