بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
البيانُ في هذا الباب كلُّه عن أصلٍ واحدٍ، وهو معرفةُ الله تعالى، قال الله تعالى:
ص 15
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّااللهُ} [مُحمَّد:19] .
وقد تضمَّن قولُه هذا أصلَين: المعرفة واتِّباعَ الأمر؛ لقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّااللهُ} وبعدَ ما حصلت المعرفةُ باتِّباع المُتَّبع أَمْرَ الله عزَّ وجلَّ؛ تضمَّن اتباعه للأمرِ التزامَه عبادةَ الله تعالى فرضًا عليه، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .
وتضمَّن حصولُ علمِه بهذه الأشياء التزامَه لأصلَين آخرَين: معرفةِ الكتاب الذي أنزله عزَّ اسمُه، ووجوبِ اتِّباع رسولِه الذي أنزلَه عليه، قال الله تعالى: {أَطِيعُوااللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59] وتضمَّن هذا سوى طاعةِ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم طاعةَ أولي الأمر، الذين هُم القائمون بأمره، ثمَّ ذَكر سبحانه وتعالى عَقِيبَ الآية الأولى التي تَلَوناها: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا} الآية [الذاريات:59] ولا يكونُ الظُّلمُ إلَّا وضعَ الشيءِ في غير مَوضعِه، وهذا الظالمُ الذي رَعى حولَ الحِمَى، فواقَعها _ولم تكن موضعه_ فعلَ أمرَين؛ أهمَلَ رعايةَ نفسه في غير مرعاها، فضيَّعها، وتعدَّى بالتصرِّف في حقٍّ لم يكنْ له، ففات بحظِّ غيرِه، فأهملَه وضيَّعَه.
اِعتبِرْ هذا بقصة آدمَ عليه السلام؛ إذ قال له ربُّه عزَّ وجلَّ: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا [1] مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} [البقرة:35] أباحَها له لرعايةِ نفسِه عيشًا رغدًا ناعمًا طيبًا، لا كُلفةَ له فيه ولا مشقَّةً، وقال: {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى*إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى*وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} [طه:117 - 119] فلمَّا أنْ خالَفَ أمرَ خالِقِه ورازقِه تعدَّى بإشقاء نفسِه إلى شقاءِ غيرِه، وبيانُ ذلك في حديث موسى عليه السَّلامُ حين التقى هو وآدمُ، فقال: «أشقيتَ ذُرِّيَّتَكَ، وأخرجتَهم بخطيئتِك» .
وقد توجَّهَ على كلِّ نفسٍ ما توجَّب على آدمَ ممَّا ذكرناه من المعرفة واتِّباع الأمر وطاعة الرسول ومراعاة البَدَن؛ لِئلا يَفوتَ عليه حظُّه، فصار البيانُ ههُنا عن خمسةِ أشياء: معرفةِ الله حقيقةً، واستنهاجِ كتابه المُنْزَل منهاجًا وطريقةً، والتزامِ دِين رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم شريعةً، وطاعةِ الإمام العادل فريضةً، وحمايةِ البَدَن عَمَّا لا يُوافقُه استفادةً لصحة الأبدِ في دارٍ لا يَمرضُ ساكنوها، والمؤمنون كلُّهم كنفْسٍ واحدةٍ؛ فمَن رعاها فكأنَّما رعَى النُّفوسَ كلَّها، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32] وهذا كلُّه ما أشارَ إليه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث تَميم الدَّارِي.
[1] في الأصل: (( وكلا ) )، والمثبت موافق للتلاوة.