3610 - (خ) حدَّثنا مُحَمَّد بن أحمد بن عَلِيٍّ قال: حدَّثنا أحمد بن موسى قال: حدَّثنا إبراهيم بن مُحَمَّد قال: حدَّثنا هارون بن يوسف قال: حدَّثنا ابن أبي عمر قال: حدَّثنا عبد الرَّزَّاق قال: أخبرنا معمَر عن أَيُّوب وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وَدَاعة _يزيدُ أحدُهما على صاحبه_ عن سعيد بن جُبَير [1] :
قال [2] ابن عَبَّاس: أولُ ما اتَّخذَتِ النساءُ النُّطُقَ من قِبَلِ أمِّ إسماعيلَ؛ اتَّخذَتْ مِنْطَقًا لِتُعفِّيَ أثرَها على سارةَ، ثُمَّ جاء بها إبراهيمُ وبابنِها إسماعيلَ وهي تُرضِعُه، حَتَّى وَضَعَهما عندَ البيت عندَ دَوحةٍ [3] فوقَ زَمزم في أعلى المسجد، وليس بمكَّةَ يومَئذٍ أحدٌ، وليس بها ماءٌ، فوَضَعَها [4] هنالك، ووَضَعَ عندَهما جِرَابًا فيه تَمرٌ وسِقَاءً فيه ماءٌ، ثُمَّ قفَّى إبراهيمُ منطلقًا، فتَبعَتْه أمُّ إسماعيلَ،
ص 612
فقالت: يا إبراهيمُ؛ أين تَذهبُ وتَتركُنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيسٌ ولا شيءٌ؟! قالت له ذلك مِرَارًا، وجعل لا يَلتفتُ إليها، فقالت له: أللهُ [5] أَمرَك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يُضيِّعُنا، ثُمَّ رجعَتْ، وانطلَقَ إبراهيمُ، حَتَّى إذا كان عند الثَّنِيَّة حيث لا يَرَونه استَقبَلَ بوجهه البيتَ، ثُمَّ دعا بهذه الدَّعواتِ، ورفع يدَيه بها، فقال: {رَّبَّنَا [6] إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} حَتَّى بلغ [7] إلى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُوْنَ} [إبراهيم:37] فجَعلَتْ أمُّ إسماعيلَ تُرضِعُ إسماعيلَ وتَشرَبُ من ذلك الماء، حَتَّى إذا نَفِد ما في السِّقَاء عطشَتْ وعطشَ ابنُها وجاعَ، وجَعلَتْ تَنظرُ إليه يَتلَوَّى _أو قال: يَتَلَبَّطُ_ فانطلَقَتْ كراهيةَ أن تَنظرَ إليه، فوجدَتِ الصَّفا أقربَ جبلٍ في الأرض يَلِيها، فقامَتْ عليه، ثُمَّ استَقبَلَتِ الوادي [8] تَنظرُ هل تَرى أحدًا؟ فلم تَرَ أحدًا، فهبَطَتْ من الصَّفا، حَتَّى إذا بَلَغتِ الوادي رَفَعَتْ طرفَ دِرعِها، ثُمَّ سَعَتْ سعيَ الإنسان المجهود حَتَّى جاوَزَتِ الواديَ، ثُمَّ أَتَتِ المَروةَ، فقامَتْ عليها، فنَظرَتْ هل تَرى أحدًا؟ فلم تَرَ أحدًا، ففَعَلَتْ ذلك سبعَ مراتٍ _قال ابن عَبَّاس: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فلذلك يَسعى الناسُ بينَهما» _ فلما أَشرَفَتْ على المَروة سمعَتْ صوتًا، فقالت: صَهْ؛ تُريد نفسَها، ثُمَّ تَسمَّعَتْ أيضًا، فسمعَتْ، فقالت: قد أَسمعتُ [9] إن كان عندَك غَوَاثٌ، فإذا هي بالمَلَك عندَ مَوضع زَمزم يَبحَثُ بعَقِبِه _أو قال: بجناحِه_ حَتَّى ظهرَ الماءُ، فجَعلَتْ تُخوِّضُه [10] هكذا وتقول بيدها، وجعلَتْ تَغرِفُ من الماء في سِقَائها، _وهي تَفُورُ بقَدْر ما تَغرِف _قال ابن عَبَّاس: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَرحَمُ اللهُ أمَّ إسماعيلَ؛ لو تَركَتْ زَمزَمَ _أو قال: لو لم تَغرِفْ من الماء _لَكانت زَمزَمُ عَينًا مَعِينًا» قال [11] : فشربَتْ وأَرضعَتْ ولدَها، فقال لها المَلَك: لا تَخَافي الضَّيعةَ؛ فإنَّ ههنا بيتُ الله عزَّ وجلَّ يَبنيه هذا الغلامُ وأبوه، وإنَّ اللهَ لا يُضيعُ أهلَه، وكان البيتُ مرتفعًا من الأرض كالرَّابية، تَأتيه السُّيولُ، فيَأخذ [12] عن يمينه وعن شماله، فكانوا كذلك حَتَّى مرَّ بهم قومٌ من جُرْهُم _أو: أهلُ بيتٍ من جُرْهُم_ مُقبِلين من طريق كَدَى [13] ، فنزلوا في أسفل مكةَ، فرَأَوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إنَّه لَيَدُورُ على ماءٍ؛ [ولَعَهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماءٌ، فأَرسلُوا جَرِيًّا أو جَرِيَّيَن، فإذا هم بالماء] [14] ، فرجعوا، فأخبروهم بالماء، فأَقبلُوا وأمُّ إسماعيلَ عند الماء، فقالوا [15] : أَتَأذَنِينَ لنا أن نَنزلَ عندَك؟ قالت: نعم، ولكنْ لا حقَّ لكم في الماء، فقالوا: نعم _قال ابن عَبَّاس: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فألْفَى [16] ذلك أمُّ إسماعيلَ وهي تحبُّ الأُنسَ» _ وأَرسلوا إلى أهليهم [17] ، فنَزلوا معهم، ونَزلُوا معَها [18] حَتَّى كان بها أهلُ أبياتٍ منهم، وشَبَّ الغلامُ وتَعلَّمَ العربيةَ منهم، وأَنفَسَهم [19] وأَعجَبَهم حين شَبَّ، فلما أَدرَكَ زوَّجُوه امرأةً منهم، وماتَتْ أمُّ إسماعيلَ، قال: فجاء إبراهيمُ بعدَما تَزوَّجَ إسماعيلُ لِيُطالِعَ تَرِكَتَه، فلم يَجدْ إسماعيلَ، فسأل عنه امرأتَه، فقالت: خرجَ يبتغي لنا، ثُمَّ سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضِيقٍ وشدةٍ، وشَكَتْ إليه، قال: فإذا جاء زوجُك فأَقرِئي عليه السَّلامَ وقُولي له: يُغيِّرْ عَتَبةَ بابِه، فلما جاء إسماعيلُ كأنه آنَسَ [20] شيئًا، فقال: هل جاءكم مِن أحدٍ؟ قالت: نعم، جاءنا [21] شيخٌ كذا وكذا، فسأَلَنا عنك، فأَخبَرْناه، وسأَلَنا: كيف عيشُنا؟ فأَخبرتُه أنَّا في جَهْدٍ وشدةٍ [22] ، قال: فهل أَوصَاكِ بشيءٍ؟ قالت: نعم أَمرَني أن أَقرأَ عليك السلامَ، ويقول: غَيِّرْ عَتَبَةَ بابِك، قال: ذاك أبي، وأنتِ العَتَبةُ، وقد أَمَرَني أن أُفارِقَك؛ فالحقِي بأهلِك، فطَلَّقَها، وتَزوَّج منهم أخرى، فلَبِثَ عنهم إبراهيمُ ما شاء الله، ثُمَّ أتاه بعدَ ذلك، فلم يَجدْه، فدَخَلَ على امرأتِه، فسألَها عنه، فقالت: خرجَ يبتغي لنا، فقال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشِهم وهيئتِهم؟
ص 613
فقالت: نحن بخيرٍ، ونحن في سَعَةٍ، وأَثنَتْ على الله عزَّ وجلَّ، فقال: ما طعامُكم؟ فقالت: اللَّحمُ، قال: فما شرابُكم [23] ؟ قالت: الماءُ، قال: اللهم بارِكْ لهم في اللَّحمِ والماءِ _قال ابن عَبَّاس: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ولم يكنْ لهم يومَئذٍ حَبٌّ، ولو كان لهم حَبٌّ دعا لهم فيه» قال: فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكةَ [24] إلَّا لم يُوافقاه_ قال: فإذا جاءَ زوجُك فاقرِئي عليه السلامَ ومُرِيهِ أن يُثبِتَ عَتَبةَ بابِه، فلما جاء إسماعيلُ قال: هل أتاكم مِن أحدٍ؟ قالت: نعم، جاءنا [25] شيخٌ حسنُ الهيئة، وأَثْنَتْ عليه، فسألني عنك، فأَخبرتُه، وسألَني: كيف عيشُنا؟ فأَخبرتُه أنَّا بخيرٍ، قال: فهل أَوصاكِ بشيءٍ؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلامَ، ويَأمُرُك أن تُثبِتَ عَتَبة بابِكَ، قال: ذاك أبي، وأنتِ العَتَبةُ، وأَمرَني أن أُمسِكَكِ، ثُمَّ لَبِثَ عنهم ما شاء الله عزَّ وجلَّ، ثُمَّ جاء بعدَ ذلك وإسماعيلُ يَبْرِي نَبْلًا له تحتَ دَوحةٍ قريبًا من زَمزمٍ، فلما رآه قام إليه، فصَنَعَا كما يَصنعُ الوالدُ بالولدِ والولدُ بالوالدِ، ثُمَّ قال إبراهيمُ: يا إسماعيلُ؛ إنَّ اللهَ تعالى أَمرَني بأمرٍ، قال: فاصنعْ ما أَمرَك ربُّك، قال: أفتُعِينني؟ قال: فأُعِينُك [26] ، قال: فإنَّ اللهَ تعالى أَمرَني أن أَبتَنِيَ [27] بيتًا ههنا، وأَشارَ إلى أَكَمَةٍ مرتفعةٍ على ما حولها، قال: فعند ذلك رَفَعَا القواعدَ من البيت، قال: فجَعلَ إسماعيلُ يَأتي بالحجارة، وإبراهيمُ يَبني حَتَّى ارتفعَ البناءُ، فلما ارتَفعَ البناءُ جاء بهذا الحجر، فوَضَعَه له، فقام عليه وهو يَبني وإسماعيلُ يُنَاوِلُه الحجارةَ، وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ
أَنْتَ السَّمِيْعُ العَلِيْمُ [البقرة:127] فجعلا يَبنيانِ، وهما يَدُورانِ حولَ البيت وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيْعُ العَلِيْمُ} [28] . [خ¦3363] [خ¦3364]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[1] زيد في (ف) : (قال: كنَّا عشرة فقال: يا معشر الشباب؛ سلوني، فإنِّي أوشك أن أذهب مِن بين أظهركم، فأكثر الناس مسألته، فقال له رجل: أصلحك الله! أرأيت هذا المقام؟ أهو كما تتحدَّث؟ قال: وما كنتَ تحَدَّث فيه؟ فقال: كنَّا نقول: إنَّ إبراهيم حين جاء عرضت امرأةُ إسماعيل النزول، فأبى أن ينزل، فجاءت بهذا الحجر فوضعته فقال: ليس كذلك) .
[2] زيد في (هـ) : (قال) .
[3] في (هـ) : (درجة) .
[4] في (هـ) : (فوضعهما) .
[5] في (هـ) : (آلله) .
[6] في النسخ: (ربِّ) ، والمثبت موافق للتلاوة.
[7] (حتى بلغ) : ليس في (ف) .
[8] زيد في (ف) : (هل) ، ولعله سبق نظر.
[9] في (هـ) : (أستمعت) .
[10] في (ف) : (تحوضه) .
[11] (قال) : ليس في (هـ) .
[12] في (ف) و (هـ) : (فتأخذ) .
[13] في (ف) : (كذا) .
[14] ما بين معقوفين سقط من (هـ) .
[15] زيد في (ف) : (لها) .
[16] في (ف) : (فألفت) .
[17] في (أ) : (إليهم) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[18] (معها) : ليس في (هـ) .
[19] في (ف) : (وكان أنفسهم) .
[20] في (ف) : (أنس) .
[21] في (ف) : (لجاءنا) .
[22] في (ف) : (وشر) .
[23] (قال فما شرابكم) : سقط من (هـ) .
[24] في (هـ) : (أحد بمكة) .
[25] في (هـ) : (جاء) .
[26] في (ف) : (أعينك) .
[27] في (ف) و (هـ) : (أبني) .
[28] زيد في (هـ) : (إلى آخر الآية) .