فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 756

ص 40

قال محمَّد بن أبي حاتم الورَّاق سمعت أحيد بن حفص [1] يقول دخلت على إسماعيل والد البخاريِّ بيته عند موته، فقال لا أعلم في مالي درهمًا من حرام، ولا درهمًا [2] من شبهة، وحكى ورَّاقه أنَّه ورث من أبيه مالًا جليلًا، فكان يعطيه مضاربة [3] ، فقطع له غريم خمسة وعشرين ألفًا، فقيل له استعن بكتاب الوالي، فقال إن أخذت منهم كتابًا؛ طمعوا، ولن أبيع ديني بدنياي، ثمَّ صالح غريمَه على أن يعطيه كلَّ شهر عشرةَ دراهم، وذهب ذلك المال كلُّه.

وقال غنجار في «تاريخه» حدَّثنا أحمد بن محمَّد بن عمر المقرئ حدَّثنا أبو سعيد بكر بن منير قال حُمِل إلى محمَّد بن إسماعيل بضاعة، فاجتمع به بعض التُّجَّار، فطلبوها منه بربح خمسة آلاف، فقال لهم انصرفوا اللَّيلة، فجاءه من الغد تجَّار آخرون، فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف، فردَّهم وقال إنِّي نويت البارحة أن أدفع إلى أولئك ما طلبوا، ودفعها إلى الأوَّلين وقال لا أحبُّ أن أنقض نيَّتي، وقال محمَّد الورَّاق كنت مع البخاريِّ بفربر وهو يؤلِّف (كتاب التفسير) ، فاستلقى يومًا وكان قد أتعب نفسه في ذلك اليوم في التخريج، فقلت له إنِّي سمعتك [4] تقول ما أتيت شيئًا بغير علم، فما الفائدة في الاستلقاء؟ فقال فكرت أنَّ هذا ثغر، وكنت قد أتعبت نفسي، فخشيت أن يحدث حدث مِن أمر العدوِّ، فأحببت أن أستريح وآخذ أُهْبَة، فإن غافَصَنا عدوٌّ؛ كان بنا حراك، قال

ص 41

وكان يركب إلى الرمي كثيرًا، فما أعلم أنِّي رأيته في طول صحبته أخطأ سهمه الهدف إلَّا مرَّتين، بل كان يصيب في كلِّ ذلك ولا يُلحَق، قال وسمعته يقول دعوت ربِّي مرَّتين فاستجاب لي _يعني في الحال_ فلا أحبُّ أن أدعوَ بعدُ؛ فلعلَّه يُنْقِص حسناتي، وقال وسمعته [5] يقول لا يكون لي خصم في الآخرة إن شاء الله تعالى، فقلت له إنَّ بعض الناس ينقمون عليك «التاريخ» ، ويقولون فيه اغتياب الناس، فقال إنَّما رَوَينا ذلك رواية، ولم نقلْه مِن عند أنفسنا، وإنَّما قاله مَن قاله على سبيل النصح، قال وسمعته يقول ما اغتبت أحدًا قطُّ منذ علمت أنَّ الغيبة حرام، وقال بكر بن منير كان محمَّد بن إسماعيل يصلِّي ذات يوم، فلسعه الزنبور سبعَ عشرةَ مرَّة، فلمَّا قضى صلاته؛ قال انظروا أين هذا الذي آذاني في صلاتي، فنظروا، فإذا الزنبور قد ورَّمه في سبعَ عشرةَ موضعًا ولم يقطع صلاته.

قال ورَّاقه وكان كثير الإحسان إلى الطَّلبة، مفرط الكرم، قليل الأكل جدًّا، قال وسمعته يقول كنت أستغلُّ في كلِّ شهر خمس مئة فأنفقها في الطلب، وما عند الله خير وأبقى، وحكى أبو الحسن يوسف بن أحمد البخاريُّ أنَّ محمَّد بن إسماعيل مرض، فعرضوا ماءه على الأطبَّاء، فقالوا إنَّ هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النَّصارى، فإنَّهم لا يأتدمون،

ص 42

فصدَّقهم، وقال لم أأتدم [6] منذ أربعين سنة، فسئل أن يستعمل الأدم بعد ذلك، فامتنع، فألحَّ عليه المشايخ، فأجابهم أن يأكل مع الخبز سكرة، وقال الحاكم أخبرني محمَّد بن خالد حدَّثنا مسيح بن سعيد قال كان البخاريُّ إذا حضر رمضان؛ يجتمع [7] إليه أصحابه فيصلِّي بهم، ويقرأ في كلِّ ركعة عشرين آية إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السَّحر ما بين النصف إلى الثلث، وكان يختم كلَّ يوم ختمة عند الإفطار، وقال ورَّاقه كان يصلِّي في وقت السحر ثلاثَ عشرةَ ركعة، يوتر منها بواحدة، ويقوم في اللَّيل مرارًا يأخذ القدَّاحة، فيوري نارًا بيده ويسرج، ويخرِّج أحاديث، فيُعلِّم عليها، ثمَّ يضع رأسه، وربَّما فعل ذلك في الليلة الواحدة عشرين مرَّة، فقلت له لِمَ لا توقظني؟ فقال أنت شابٌّ، فلا أحبُّ أن أفسد عليك نومك.

وقال محمَّد بن منصور كنَّا في مجلس البخاريِّ، فرفع إنسان مِن لحية [8] البخاريِّ قذاة فطرحها، قال فرأيته ينظر إليها وإلى الناس، فلمَّا غفلوا؛ أخذها، فأدخلها في كمِّه، فلمَّا خرج من المسجد؛ أخرجها وطرحها على الأرض، وقال الحسن بن محمَّد السمرقنديُّ كانت فيه ثلاث خصال؛ كان قليلَ الكلام، وكان لا يطمع فيما عند الناس، وكان لا يشتغل بالناس.

[1] في هامش (ب) من نسخة (جعفر) .

[2] في (أ) و (ب) (درهم) .

[3] في (أ) (مضابة) ، وهو تحريف.

[4] في (أ) و (ب) (أريك) .

[5] في (أ) (سمعته) .

[6] في (أ) و (ب) (أمتدم) .

[7] في (ب) (فيجتمع) .

[8] في هامش (ب) ( «لحيته» ، كذا في الأصل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت