كان رضي الله عنه قد خرج من بلده؛ لغلبة أصحاب الرأي، فاستوطن نيسابور، فوقع بينه وبين محمَّد بن يحيى الذهليِّ منازعةٌ في مسألة، فرجع إلى بخارى بسبب ذلك، فنُصِبت له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامَّة أهل البلد حتَّى لم يبق مذكور، ونُثِر عليه الدنانير والدراهم، فبقي مدَّة، فأرسل إليه أميرها خالد بن أحمد الذهليُّ أن يحضر عنده؛ ليسمع عليه الحديث، فامتنع وقال لرسوله قل له أنا لا أذلُّ العلم، فإن كانت له حاجة؛ فليحضر في مسجدي أو داري، فكان ذلك سبب وحشة بينهما، ثمَّ أرسله ثانيًا بأن يُفرِد لأولاده وقتًا يحدِّثهم فيه، فامتنع أيضًا، فاستمرَّت الوحشة بينهما إلى أن أمر خالد بأن يخرج مِن البلد، فأجاب إلى الخروج، ودعا على كلِّ مَن كان السبب، فلم يأت على خالد إلَّا أقلُّ مِن شهر حتى ورد الأمر مِن أمير خراسان بعزله وأن يُنادى عليه، فأُرْكِب حمارًا على إكاف، ثمَّ صار أمره إلى الذلِّ والحبس إلى أن مات، حكى ذلك الحاكم بسنده الصَّحيح.
وقال ابن عديٍّ سمعت عبد القدُّوس بن عبد الجبَّار السمرقنديَّ يقول خرج البخاريُّ إلى خرتنك _قرية من قرى سمرقند_ فنزل على بعض أقربائه هناك، قال فسمعته
ص 45
ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة اللَّيل يقول في دعائه اللهمَّ؛ إنَّه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك، قال فما تمَّ الشهر حتَّى قبضه الله، وقال أبو منصور غالب بن جبريل _وهو الذي نزل عليه البخاريُّ بخرتنك [1] _ كان قد قال لنا كفِّنوني في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميص ولا عمامة، ففعلنا، فلمَّا دفنَّاه؛ فاح من تراب قبره رائحةٌ طيِّبة؛ كالمسك، ودامت أيَّامًا، وجعل الناس يختلفون إلى القبر أيَّامًا يأخذون مَن ترابه إلى أن جعلنا عليه خشبًا مشبَّكًا، وقال أبو أحمد محمَّد بن محمَّد بن مكِّيٍّ الجرجانيُّ أحد رواة «الصحيح» عن الفربريِّ سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسيَّ يقول رأيت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في النوم ومعه جماعة مِن أصحابه، وهو واقف في موضع، فسلَّمت عليه، فردَّ عليَّ السلام، فقلت ما وقوفك هنا يا رسول الله؟ فقال أنتظر محمَّد بن إسماعيل، فلمَّا كان بعد أيَّام؛ بلغني موته، فنظرت؛ فإذا هو قد مات في السَّاعة التي رأيت فيها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
وكانت وفاته [2] ليلة السَّبت، ليلة عيد الفطر، سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، وكانت مدَّة عمره اثنتين [3] وستِّين سنة إلَّا ثلاثةَ عشرَ يومًا رحمه الله ورضي عنه، اهـ قلت وقد اختصرت هذه الترجمة كثيرًا، فإن أردتَ
ص 46
استيفاءها؛ فعليك بـ «المقدِّمة» .
قلت وقد تذكَّرت الآن _والحديث شجون [4] _ ما أنشد فيه بعض أشياخي في تاريخ وفيات مشاهير المحدِّثين للإمام الدقون
~إذَا رُمْتَ [5] الحَدِيْثَ فَلُذْ بِخَمْسٍ تَكُنْ مِثْلَ المُشَافِهِ فِي الحَيَاةِ
~تَعَطَّر دِرْعُه ما رصَّ نسْج بِنُورٍ للمُحَدِّثِ والوَفَاةِ
فقوله للمحدِّث والوفاة؛ أي الحرف الأوَّل من كلم البيت الثاني منتزع مِن اسم المحدِّث، وما بعده من الحروف رمز لسنة وفاته بحساب «الجُمَّل» ، فالتَّاء من (تعطَّر) للتِّرمذيِّ، وما بعده رمز لسنة وفاته، وذلك تسع وسبعون ومئتان، والدَّال لأبي داود، وما [6] بعده رمز لسنة وفاته، وذلك خمس وسبعون ومئتان، والميم من [7] (ما) لمسلم، وما بعدها رمز لسنة وفاته، وذلك إحدى وتسعون ومئتان، والنون من (نسج) للنَّسائيِّ، وما بعدها رمز لسنة وفاته، وذلك ثلاث وثلاث مئة، والباء من (بنور) للبخاريِّ، وما بعدها رمز لسنة وفاته، وذلك ستٌّ وخمسون ومئتان.
[1] في (أ) (بخرنتك) ، هو تصحيف.
[2] في هامش (ب) (قف على وفاة «256» الإمام البخاري) .
[3] في (أ) و (ب) (اثنين) ، وليس بصحيح.
[4] في (أ) (سجنون) .
[5] في هامش (ب) من نسخة (تروي) .
[6] (ما) ليس في (أ) .
[7] (من) ليس في (أ) .