الواو العاطفةِ، إذ لو لم يكن كذلك كان حق العبارة أن يقول: كما بين العصر وبين الغروب.
وأجاب بعضهم بأنَّ المناسبة للترجمة مأخوذة من قوله: إلى غروب الشمس، إذ لم يفرق بين الغروب وقبله [1] ، وهذا شيء لا أفهمه؛ لأنَّ الغروب هو انتفاء المدة، فأيُّ معنىً لما قاربه، وأيُّ دلالة للفظ على ذلك.
وأجاب آخرون بأنَّهم لما عملوا أقلَّ من عمل غيرهم وأثيبوا أكثر من ثوابهم، فكأنَّه نبَّه على أنَّ حكم البعض في الإدراك حكم الكل [2] ، وليس بشيءٍ، إذ زيادة الثواب محض فضلِ الله، فأيُّ رابطة بينهما؟، أو أيَّةُ دلالة تُسمَّى هذه الدلالة.
والمراد من قوله: (( بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ ) )قرب الساعة، وأنَّ ما مضى نسبته إلى الباقي من الزمان كنسبة ما بقي من أوَّل العصر إلى الغروب بالنسبة إلى ما مضى من النهار، فلا يرِدُ إذ بين عيسى ومحمد ستمائة سنة، لأنَّ النسبة إلى ما مضى من أول الدنيا إلى وقته صلى الله عليه وسلم [3] .
التركية
[138/أ]
(( أُوتِيَ أَهْلُ /التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ ) )هذا كلام مستأنف ليس له تعلُّقٌ بالترجمة، غايته أنَّ الراوي رواه كما سمع، ولعلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا ذكر وقت العصر أردفه بحديث أهل الكتابين، لذكر وقت العصر في وقتهم.
(( فَعَمِلُوا بها ) )أي: بالتوراة.
(( حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ) )أي: كل واحد منهم، والعجز كناية عن الموت، والقيراط أصله قرَّاط بتشديد الراء، فأبدلت الأولى ياء تخفيفًا كما في يقضي البازي، قال ابن الأثير: والقيراط نصف عُشْرِ الدينار في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءًا من أربعة وعشرين جزءًا [4] ، وليس ما في الحديث ذلك المصطلح بأحد الاصطلاحين، بل نصيب من الثواب لا يعلمه غيره تعالى، كما قال في الحديث الآخر: (( كل قيراط مثل أُحُد ) ) [5] .
(( فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا ) )أي حرف نداء.
(1) المتواري علي تراجم أبواب البخاري لابن المنير: 1/ 92.
(2) نقله ابن بطال عن المهلب، شرح صحيح البخاري لابن بطال: ج 2/ 185.
(3) انظر: التوضيح 6/ 207 - 208.
(4) النهاية في غريب الأثر: ج 4/ 42.
(5) صحيح البخاري: ج 1/ 26/47، كتاب الإيمان، باب اتباع الجنائز من الإيمان.