وأمَّا مَا يتعلَّقُ ببرَاعةِ ختْمِهَا؛ فقالَ أيْضًا في آخرِهِ بعدَ شرحِهِ حديثَ «كلمَتانِ خفيفتان. . .» الحديث، مَا نصُّهُ
وممَّا اتَّفقَ لهُ مِن المنَاسَبَاتِ التي لم أرَ مَن نبَّهَ عليْهَا أنَّهُ يعتني غالبًا بأن يكونَ في الحديثِ الأخيْرِ مِن كلِّ كتَابٍ مِن كتُبِ هذا «الجامعِ» مناسَبَةٌ لختمِهِ، ولو كانت الكلمةُ في أثناءِ الحديثِ الأخيرِ، أوْ مِنَ الكَلامِ عليْهِ؛ كقولِهِ في آخر حديث بدء الوحي «فكان ذلك آخرَ شأنِ هرقل» ، وقوله في آخرِ «كتَابِ الإيمانِ» «ثمَّ اسْتغفرَ وَنزل» ، وفي آخرِ «كتابِ
ص 521
العلم» «وَليَقطعْهُمَا حتَّى يَكونَا تحتَ الكعبيْنِ» ، وفي آخرِ «كتَاب الوُضوء» «واجْعَلهُنَّ آخرَ مَا تَكَلَّمُ بهِ» ، وآخرِ «كتَابِ الغُسْلِ» ، وذلكَ الأخيْرُ إنَّما بيَّنَّاهُ لاختلافِهِم، وفي آخرِ «كتَاب التَّيمُّمِ» «عليْكَ بالصَّعيْدِ؛ فإنَّهُ يَكفيك» ، وفي آخرِ «كتَاب الصَّلاةِ» اسْتئذانُ المرْأةِ زوْجَهَا في الخروجِ، وفي آخرِ «كتَاب الجمعَة» «ثمَّ تكونُ القائلةُ» ، وفي آخرِ «العيْدين» لمْ يصلِّ قبْلَهَا ولا بَعْدهَا، وفي آخرِ «الاسْتسْقاءِ» «بأيِّ أرْضٍ تمُوتُ» ، وفي آخرِ «تقصير الصَّلاةِ» وإنْ كنتُ نائمةً اضطجعَ، وفي آخرِ «التَّهجُّدِ والتَّطوع» «وبعْدَ العصرِ حتَّى تغربَ» ، وفي آخرِ «العمَلِ في الصَّلاةِ» فأشارَ إليْهمْ أنِ اجلسُوا، فلمَّا انصرفَ، وفي آخرِ «كتَاب الجنائزِ» فنزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد 1] ، وهوَ مِن التَّبَابِ؛ ومَعْنَاهُ الهَلاكُ، وفي آخرِ «الزَّكاةِ» صدقة الفطرِ، وَلَهَا دُخولٌ في الأخرية مِن جهَةِ كوْنِهَا تقعُ في آخرِ رَمَضان مكفِّرةً لمَا مَضى، وفي آخرِ «الحجِّ» واجْعلْ موْتي في بَلدِ رَسُولكَ، وفي آخرِ «الصِّيامِ» «ومن لمْ يَكن أكلَ؛ فليَصُمْ» ، وفي آخرِ «الاعتكافِ» «مَا أنا بمعتَكِفٍ، فرجع» ، وفي آخرِ «البَيْعِ والإجَارة» حتَّى أجْلاهم عمَر، وفي آخرِ «الحوَالةِ» فصلَّى عليْهِ، وفي آخرِ «الكفَالةِ» «ومن تركَ مالًا؛ فلورثَتِهِ» ، وفي آخرِ «المزارعةِ»
ص 522
مَا نسيتُ مِن مَقالتي تلكَ إلى يومي هذا، وفي آخرِ «المُلازمةِ» حتَّى أموتَ ثمَّ أُبْعثَ، وفي آخرِ «الشُّربِ» فشربَ حتَّى رَضيْتُ، وفي آخرِ «المظالمِ» فَكسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وأنزلوهُ، وفي آخرِ «الشَّركة» أفنذبحُ بالغصبِ، وفي آخرِ «الرَّهن» {أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} [آل عمران 77] ، وفي آخرِ «العِتْقِ» «الولاءُ لمَن أعتَقَ» ، وفي آخرِ «الهبَة» «ولا تعُد في صدقتِكَ» ، وفي آخرِ «الشَّهَاداتِ» «لأتوْهمَا ولو حبْوًا» ، وفي آخرِ «الصُّلحِ» «قمْ فاقْضهِ» ، وفي آخرِ «الشروطِ» لا تباعُ وَلا تُوهَبُ ولا تورَّثُ، وفي آخرِ «الجهَادِ» قدمتُ فقال صلِّ رَكعتيْن، وفي آخرِ «فرض الخمس» حرَّمهَا البتَّة، وفي آخرِ «الجزْيَة والموادعة [1] » فَهُوَ حرام بحرمةِ الله إلى يَوْمِ القيامَة، وفي آخرِ «بَدْءِ الخلق وأحاديث الأنبيَاء» قدم معاويةُ المدينةَ آخرَ قدمةٍ قدمَهَا، وفي آخرِ «المناقب» تُوُفِّيت خديجةُ قبْل مخرج النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وَسَلَّمَ، وفي آخرِ «الهجرةِ» فترةُ بيْنَ عيسى ومحمَّدٍ، وفي آخرِ «المغازي» الوفاة النَّبويَّةُ وَمَا تعلَّقَ بهَا، وفي آخرِ «التفسيرِ» تفسيرُ المُعوَّذتينِ، وفي آخرِ «فضائلِ القرآنِ» اختلفوا، فأُهْلِكوا، وفي آخرِ «النِّكاحِ» فَلا يمنعني مِنَ التَّحرُّكِ، وفي آخرِ «الطَّلاقِ» ويعفُوا أثرُه، وفي آخرِ «اللِّعَانِ» أبْعد لكَ منهَا، وفي آخرِ «النَّفقاتِ» أعتقَهَا أبُو لهبٍ، وفي آخرِ «الأطعمةِ» وَأنزَلَ الحجابَ، وفي آخِرِ
ص 523
«الذبَائح وَالأضاحي» حتَّى ينفِرَ مِن مِنًى، وفي آخرِ «الأشربَةِ» وَتَابَعهُ سعيْد بن المسيَّبِ عن جابرٍ، وفي آخرِ «المرضَى» وأنقل حمَّاها، وفي آخرِ «الطِّبِّ» ثمَّ ليَطْرَحْهُ، وفي آخرِ «اللِّبَاسِ» إحدى رجليْهِ على الأخرى، وفي آخرِ «الأدبِ» «فليَردَّه ما اسْتطاعَ» ، وفي آخرِ «الاسْتئذانِ» منذ قُبِضَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليْه وَسَلَّمَ، وفي آخرِ «الدَّعواتِ» كراهةُ السَّآمة علينا، وفي آخرِ «الرِّقاقِ» أن نرجعَ على أعقابِنَا، وفي آخرِ «القدرِ» إذا أردوا فتنةً؛ أبَيْنا، وفي آخرِ «الأيْمَانِ وَالنذورِ» إذا سهمٌ عائرٌ، فَقَتَلَه، وفي آخرِ «الكفَّارةِ» «كفِّرْ عن يمينِكَ» [2] ، وفي آخرِ «الحدودِ» «إنْ شَاءَ عذَّبَهُ، وإنْ شاء غفرَ لهُ» ، وفي آخرِ «المحَاربين» «اعملُوا ما شئتُم، فقدْ وجبَت لكمُ الجنَّةُ» ، وفي آخرِ «الإكْراهِ» تحجَزُهُ عن الظُّلْمِ، وفي آخرِ «تعبير الرؤيَا» تجاوزَ اللهُ عنهم، وفي آخرِ «الفتنِ» أنهْلكُ وفينا الصَّالحون؟!، وفي آخرِ «الأحْكامِ» فَاعتَمرت بَعْد أيَّامِ الحجِّ، وفي آخرِ «الاعتصَامِ» {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور 16] ، والتَّسبيْحُ مشروعٌ في الختامِ؛ فلذلكَ ختمَ بهِ «كتَابَ التوحيد» ، والحمدُ بعد التَّسبيحِ آخرُ دعوى أهلِ الجنَّةِ، قالَ اللهُ تعالى {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس 10] ، انتهى.
وَقالَ قبْلهُ
ص 524
أيْضًا ما نصُّهُ
وفي الحديثِ مِن الفوائدِ _غيْر ما تقدَّم_ الحثُّ على إدامَةِ هذا الذِّكرِ، وقد تقدَّمَ في (بَاب فضْلِ التَّسبيحِ) مِن وجهٍ آخر عن أبي هريْرَة حديثٌ آخرُ؛ لفظُهُ «مَن قالَ سُبحانَ اللهِ وبحمدِهِ في يومٍ مئةَ مرَّةٍ؛ حُطَّتْ خطايَاهُ، وإنْ كانت مثل زبدِ البحرِ» ، وإذا ثبتَ هذا في قوْلِ (سبحانَ اللهِ وبحمْدِهِ) وحدَهَا؛ فإذا أُضيْفَتْ إليْهَا الكلمَة الأخرى؛ فالذي يظهرُ أنَّهَا تفيدُ تحصيلَ الثوابِ الجزيلِ المُنَاسِبِ لهَا، كمَا أنَّ مَن قَالَ الكلمَة الأولى وليسَتْ لهُ خطايَا مثلًا؛ فَإنَّهُ يحصُلُ لهُ مِن الثَّوَابِ مَا يوازنُ ذلك، انتهى.
قُلْتُ وَلعَلَّ هَذا الذي ذكرَ في فَضلِ قوْلِ (سُبْحانَ اللهِ وبحمْدِه) في اليومِ مئةَ مرَّةٍ _سيَّمَا إن أُضيفَ لهُ قولُ (سبْحانَ اللهِ العظيمِ) ؛ كما في الحديثِ الذي ختمَ بهِ البخاريُّ، وقالَ فيهِ ابْنُ حجرٍ إنَّهُ إذا أضافَ (سبْحانَ اللهِ العظيمِ) إلى (سُبْحان اللهِ وبحمْدِهِ) ؛ فالظَّاهرُ أنَّهُ يحصلُ لهُ الثوابُ الجزيلُ_ هو وجهُ مَا جرى بهِ العملُ مِن ذكرِ ذلك التَّسبيحِ مئةَ مرَّةٍ عندَ ختمِ «صحيحِ البخاريِّ» ، واللهُ أعْلمُ.
[1] في (أ) و (ب) (والموادة) ، وفوقه (ض) .
[2] في هامش (ب) (لم يذكر هنا «كتاب الفرائض» ) .