وقدْ رأيْتُ أن أختمَ هذا التقييدَ بالتَّعريفِ بالإمَامِ ابْن حجرٍ باختصَارٍ وإنْ كانَ أشهرَ مِن نارٍ على علمٍ، وكانَ الأنسبَ أن نذكرَهُ إثرَ التعريفِ بالإمَامِ أبي عبْدِ اللهِ البخاريِّ، فلمْ يُقدَّر ذلك
قالَ الإمَامُ جلالُ الدِّيْنِ السِّيوطيُّ في «حسْن المحَاضرة في أخبَارِ مَن دخلَ مِصْرَ وَالقاهرة» ما نصُّهُ
ابْنُ حَجَرٍ إمَامُ الحفَّاظِ في زَمَانه،
ص 527
قاضي القضاةِ، شهَابُ الدِّينِ، أبُو الفَضلِ، أحمدُ بْنُ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ عليٍّ، الكِنَانيُّ العسْقلانيُّ، ثمَّ المصريُّ، وُلِدَ سنةَ ثلاثٍ وَسَبْعينَ وسَبعِ مئةٍ، وعَانَى أوَّلًا الأدبَ، ونظمَ الشِّعرَ، فَبَلغَ فيهِ الغايةَ، ثمَّ طلبَ الحديثَ، فسَمعَ الكثيرَ، ورحلَ وتخرَّجَ بالحافظِ أبي الفضْلِ العراقيِّ، وبَرَعَ فيهِ، وتقدَّمَ في جميْعِ فنُونِهِ، وانتهَتْ إليْهِ الرِّحْلةُ وَالرِّيَاسَةُ في الحديثِ في الدُّنيَا بأسْرِهَا، فَلمْ يَكن في عصْرِهِ حافظٌ سواهُ.
وألَّفَ كتبًا كثيْرةً؛ «كشْرحِ البخاريِّ» ، و «تغليْقِ التَّعليق» ، وَ «تهذيبِ التَّهذيب» ، و «لِسانِ الميزانِ» ، و «الإصَابة في الصَّحابةِ» ، و «نكت ابْن الصَّلاح» ، و «رجال الأرْبَعَة» ، و «النخبَة وَشرحِهَا» ، و «الألقاب» ، و «تبْصيْر المنتبِهِ بتحريرِ المشتبه» ، و «تقريب [1] المنهَجِ بترتيبِ المُدرَج» ، وأملى مِن ألفِ مجلسٍ، تُوفِّيَ في ذي الحِجَّةِ سنَةَ اثنيْنِ وَخمسينَ وثمان مئةٍ، وَخُتِمَ به الفنُّ.
حدَّثني الشِّهابُ البصريُّ شاعرُ العصرِ إنَّهُ حضرَ جنازَتَهُ، فَأمطرتِ السَّمَاءُ على نعشِهِ، وقد قرب إلى المُصَلَّى، ولمْ يكن زَمَانَ مَطرٍ، قالَ فأنشدتُ في ذلك الوقتِ
~قدْ بكتِ السُّحْبُ على قَاضي القُضَاةِ بالمطَرِ
~وَانهدمَ الرُّكنُ الذي كَانَ مَشيدًا بالْحَجَرِ
ص 528
انتهَى، وَقالَ غيْرهُ مَا نصُّهُ
شهابُ الدِّينِ، أبو الفَضلِ، أحمدُ بْنُ عليِّ بْنِ محمَّدِ بن حجر، الكنانيُّ، العسقلانيُّ الأصلِ، المصريُّ المَولِدِ والدَّارِ، ولِدَ بمصرَ في شعبانَ سَنَة ثلاثٍ وَسبْعينَ وسَبعِ مئةٍ، أخذَ عن البُلقينيِّ، وَالعراقيِّ، وَابْنِ الملقِّن، والأجناسيِّ، وَعزِّ الدِّين ابْن جماعة، وَغيرهم، ومصنَّفاتُهُ قريبُ المئةِ وَالخمسيْنَ، انتفعَ بهَا النَّاسُ في حياتِهِ وَبعدَ مَوْتِهِ، وَمَاتَ في ليْلةٍ مسْتهَلَّ سنةِ ثلاثٍ وخمسينَ وثمانِ مئة، ومِن شعرِهِ لمَّا وَقعتْ منارةُ المؤيَّديَّةِ _وكانَ الإمَامُ محمُود بن أحمد [2] الحنفيُّ قاضي القضاةِ بدر الدِّينِ العينيُّ، شارحُ «البخاريِّ» ، وَ «الشَّواهدِ النَّحويَةِ» ، وغيْرِها، شيْخ الحديثِ بهَا_
~لجامعِ [3] مَوْلانَا المؤيَّدِ رَوْنقُ منارتُهُ بالحُسْنِ تَزْهو وبالزَّيْنِ
~تقولُ وقدْ مَالتْ عَليْهمْ تمهَّلُوا فَليْسَ على هَدْمي أضَرُّ مِنَ العَيْنِ
فلمَّا بلغَ ذلكَ الإمَامَ العيْنيَّ؛ قالَ مَا نصُّهُ
~منارةٌ كعَرُوسِ الحُسْنِ قد جُليَتْ وهَدُّهَا بقضَاءِ اللهِ وَالقدَر
~قَالُوا أُصيْبَتْ بِعيْنٍ قلتُ ذا غَلطٌ مَا أوْجبَ الهَدَّ إلَّا خِسَّةُ الحَجَرِ
رحمَهُمَا اللهُ، وَنفعَ بهمَا، وقالَ تلميذٌ لهمَا
~كلاكُمَا أحْسَنَ التَّعريضَ حين هجا وَقالَ في ذاك [4] قوْلًا رَائقًا بهِجَا
~فَاسْتغفرَا [5] اللهَ يَا شيْخايَ
ص 529
وَانْتَدِبَا لتوبةٍ وَطَريقِ الحقِّ فانتَهِجَا ولْنَخْتِمِ الكلامَ كَمَا فعلَ الإمَامُ ابْنُ حجرٍ في «شرحهِ» بحديثِ ختمِ المجلس، قالَ رحمَهُ اللهُ وقدْ وردَ في حديثِ أبي هريْرةَ في ختمِ المجلسِ مَا أخرجَهُ التِّرمذيُّ في «الجامعِ» ، والنَّسائيُّ في «اليومِ واللَّيْلة» ، وابْنُ حِبَّانَ في «صحيحِهِ» ، وَالطَّبرانيُّ في «الدُّعاءِ» ، والحاكمُ في «المُسْتدْرك» كلُّهم مِن روايةِ حجَّاجِ بْنِ محمَّد عن ابْنِ جريجٍ عن مُوسَى بن عقبَة، عن سُهَيْلِ بْنِ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريْرَةَ قَالَ قالَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ «مَن جَلَسَ في مجلسٍ فكثُرَ فيهِ لغطُهُ، فقالَ قبْلَ أن يقومَ مِن مجْلِسِهِ ذَلكَ سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبحمْدِكَ، أشْهدُ أن لا إله إلَّا أنتَ، أسْتغفرُكَ وَأتوبُ إليْكَ؛ إلَّا غُفِرَ لهُ مَا كَان في مجلسِهِ ذاكَ» ، هذا لفْظُ التِّرمذيِّ، وقالَ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفُهُ مِن حديثِ سُهيْلٍ إلَّا مِن هذا الوجهِ، وفي البَابِ عن أبي بَرزة وَعائشةَ، انتهى محلُّ الحاجةِ منهُ.
وهذا آخرُ مَا يسَّرَ اللهُ جمعَهُ، فنسْألُ مَوْلانا الكريمَ بجَاهِ سَيِّدِنَا ونبيِّنَا وَمَوْلانا محمَّدٍ عليْهِ أفْضلُ الصَّلاةِ وأزْكى التسْليمِ أن يمُنَّ عليْنَا بالتَّوبةِ وَالأعمَالِ الصَّالحةِ وقبُولِهَا، وأن يغفرَ لنا ذنُوبَنَا، مَا تقدَّمَ منهَا وَمَا تأخَّرَ، وَأنْ يسْترَ عيُوبَنا، ويُعَاملَنا بمَا هوَ أهْلُهُ، وأن يَغفرَ لآبَائِنا وَأمَّهَاتِنا، وأشيَاخِنا، وَأوْلادِنا، وجميْعِ مَن لهُ حقٌّ
ص 530
عليْنا، ولجميعِ المُؤمنينَ وَالمؤمنَاتِ، وَالمسْلمينَ وَالمسْلِماتِ، آمينَ يَا ربَّ العَالمين، وكانَ الفراغُ منهُ ثاني وعشرين مِن ربيعٍ الأوَّلِ النَّبويِّ، مِن عامِ ثمَانيَةٍ وأرْبعيْنَ وَألفٍ، على يدِ مقيِّدِهِ لنفسِهِ، ثمَّ لمَن شاءَ اللهُ مِن بعدهِ عبْدِ اللهِ تعالى وأقلِّ عبيدِهِ، محمَّد بْنِ أحمدَ بنِ محمَّد مَيَّارة، كانَ اللهُ لهُ في الدَّارَيْنِ بمنِّهِ وَكرَمِهِ، آميْنَ، وكانَ الفراغُ منهُ [6] [في ستَّة حَجَّةِ الحرامِ مِن عامِ أرْبَعَةٍ وتسْعينَ ومئتَيْنِ وَألفٍ، على يدِ كاتِبِهِ عبْدِ ربِّهِ أحمد بْن محمَّد الفلالي، كَانَ اللهُ لهُ ولوالديْهِ، ولأشياخِهِ، ولجميْعِ المسْلمينَ.
انْتَهَى بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى وحسْنِ عوْنِهِ بمنِّهِ وَكَرَمِهِ آمين، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيْمِ] [7] .
[1] في (أ) (تعريف) ، وهو تحريف.
[2] في (أ) و (ب) (حمد) ، وهو تحريف.
[3] في (ب) (مجامع) .
[4] في (ب) (ذلك) ، ولا يستقيم.
[5] في (أ) (فاستغفر) .
[6] بعدها في (ب) (عاشر رمضان الأبرك، من عام ستة وثمانين ومئتين وألف، على يد عبد ربه وأسير ذنبه إدريس بن محمد القادري الحسني، كان الله له ولوالديه، ولجميع المسلمين، انتهى، من خط مؤلفه الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ميارة، كان الله له ولجميع المسلمين، انتهى بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه) .
[7] ما بين معقوفين ليس في (ب) .