فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 1571

تفسير النسائي، ج 1، ص: 164

وفي قوله «فحج آدم موسى» أقوال كثيرة، أمثلها ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه اللّه-: «فآدم- عليه السّلام- إنما حج موسى، لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة، بسبب أكله من الشجرة، لم يكن لومه له لأجل حق اللّه في الذنب، فإن آدم كان قد تاب من الذنب، كما قال تعالى: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ ... » ، وقال تعالى: «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى» ، وموسى- ومن هو دون موسى- عليه السّلام يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، وآدم أعلم باللّه من أن يحتج بالقدر على الذنب، وموسى عليه السّلام أعلم باللّه تعالى من أن يقبل هذه الحجة، فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجّة لإبليس عدو آدم، وحجة لفرعون عدو موسى، وحجة لكل كافر وفاجر وبطل أمر اللّه ونهيه ... »

وقال: « ... فإن الإنسان ليس مأمورا أن ينظر إلى القدر عند ما يؤمر به من الأفعال، ولكن عند ما يجري عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها، فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم اصبر عليه، وارض وسلّم، وقال تعالى: «ما أصاب من مصيبة إلا بإذن اللّه ومن يؤمن باللّه يهد قلبه» - وأيضا: فإن آدم أحتج بالقدر، وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء، فإن هذا لو كان مقبولا لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له، من قتل النفوس، وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتج بالقدر. ونفس المحتجّ بالقدر: إذا اعتدي عليه واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدل على فساده، فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بدائه العقول ... ».

وقال: « ... وعلى العبد أن يؤمن بالقدر، وليس له أن يحتج به على اللّه، فالإيمان به هدى، والاحتجاج به على اللّه ضلال وغيّ، بل الإيمان بالقدر يوجب أن يكون العبد صبارا شكورا، صبورا على البلاء، شكورا على الرخاء، إذا أصابته نعمة علم أنها من عند اللّه فشكره، سواء كانت النعمة حسنة فعلها، أو كانت خيرا حصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت