وقال أبو عبيدة: «الشاطن هاهنا: المعوجّ عن الحقّ، والهوى على الحقيقة ليس بجسم فيوصف بالقرب والبعد، والزوال واللبث. وسمّي الشيطان شيطانا لأنّه شطن عن أمر ربّه، أو أبعد في مذاهب غيّه، ومنه قيل: نوى شطون، وبئر شطون، ومن ذلك سمّي الحبل شطنا لأنّه يبلغ القعر العميق، والماء والبعيد» [1] .
وفي هذا الخبر أيضا مجاز آخر وهو أنّه عليه الصلاة والسلام جعل الهوى الشاطن في النار، ومراده صاحب الهوى الشاطن، وهو الذي يمتدّ به هواه فيقذفه في المضالّ، ويحمله على المزال.
ونظير هذا الخبر الآخر وهو
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُ مَعَ الْبِرِّ، وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ، وَهُمَا فِي النَّارِ»
[2] ، وأراد عليه الصلاة والسلام صاحب الصدق والبرّ، وصاحب الكذب والفجور.
(62) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ، وَيَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ، قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ!» [3] .
وهذه استعارة، والمراد: أنّهم يتنقّى خيارهم، فيهلكون بالقتل السريع، والموت الذريع، كما يغربل الحبّ بالغربال، فيسقط قشبه
(1) غريب الحديث لابن قتيبة 2: 367/ 49.
(2) مسند أحمد 1: 3، 5، 7، سنن ابن ماجة 2: 1265/ 3849، كنز العمّال 2: 624/ 4923، 625/ 4924و 3: 345/ 6860.
(3) سنن ابن ماجة 2: 1307/ 3957، سنن ابي داود 2: 324/ 4342، مستدرك الحاكم 2: 159و 4:
435، كنز العمّال 11: 112/ 30831.