ويضمّ أهله كما تضمّ القطيفة وهي الكساء الغليظ جملة بدن الإنسان إذا اشتمل بها، ودخل فيها.
وإنّما قال عليه الصلاة والسلام ذلك لثبات عرب الحجاز من قريش وغيرها على الإسلام بعد دخولهم فيه، فلم يرتدّ منهم أحد كغيرهم ممن خلّى حبل الدين عن بدنه، ورجع على عقبه.
وقال أصحاب الآثار: «ما من قبيلة من قبائل العرب بعد وفاة النبيّ
عليه الصلاة والسلام إلّا وقد فشا فيها الارتداد عامّة أو خاصة، إلّا قريشا وثقيفا، فإنّه لم يرتدّ منهم أحد» هذا على أنّ هاتين القبيلتين كانتا في أوّل الإسلام أشدّ نكاية [1] ، ولرسول الله عليه الصلاة والسلام أحضر عداوة.
(93) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ» [2] .
وفي هذا الكلام استعارة على تأويل «الكدّ» في العربية:
وأحد التأويلين: أن يكون «الكدّ» بمعنى الإتعاب والإنصاب، كما يقول القائل: «كددت فرسي» إذا أراد أنّه أتعبه واستنفد طاقته، فعلى هذا التأويل يكون معنى «كدّ الرجل وجهه بالمسائل» : أنّه لكثرة بذله في السؤال وطلب ما في أيدي الرجال، قد أجراه [3] مجرى المطيّة التي يحضرها بكثرة الحلّ والترحال [4] ، وقطع المسافات الطوال.
(1) نكيت في العدوّ نكاية: إذا قتلت فيهم وجرحت الصحاح 6: 2515، لسان العرب 5: 341.
(2) سنن النسائي 5: 100، مسند أحمد 5: 10، مجمع الزوائد 3: 97، كنز العمّال 6: 496/ 16699.
(3) أي أجرى السائل وجهه.
(4) الحلّ: النزول والإقامة، والارتحال: الانتقال.