ولهذا كانت عامّة وصيّة النبيّ عليه الصلاة والسلام لمّا حضره الموت بالصلاة،
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا زَالَ يُكَرِّرُ قَوْلَهُ:
«الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» حَتَّى جَعَلَ يُغَرْغِرُ [1] بِهَا صَدْرَهُ وَمَا يَكَادُ يُفِيضُ بِهَا»
[2] أي يبين.
وفي الأكثر أنّ الإنسان إذا أدّى الصلاة على شرائطها، وفعلها في أوقاتها، وقام بجميع واجباتها، وهي التي تكرّر في الليل والنهار، وتفعل على الدوام والاستمرار، كان أجدر بتأدية الفروض في سائر العبادات، والقيام ببواقي الطاعات التي هي أخفّ محملا، وأسهل متحّملا، فأراد عليه الصلاة والسلام أنّ من قام بهذه الواجبات التي عدّدناها، واجتنب الكبائر التي توعّد بالعقاب عليها، سقط عنه عقاب معاصيه الصغائر، كما يتساقط الورق المتناثر، ويقال: «انحتّ الورق وتحاتّ» إذا انسلت من أغصانه، وانحسر عن أفنانه [3] .
(245) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِرَجُلٍ أَقْبَلَ إِلَيْهِ مِمَّنْ يُتَّهَمُ فِي دِينِهِ:
«أَرَى عَلَيْهِ سُفْعَةً مِنَ الشَّيْطَانِ» [4] .
وهذا القول مجاز، و «السفعة» السواد، وقيل: «هو السواد المشرب حمرة» فكأنّه عليه الصلاة والسلام رأى بوجهه أثرا يدلّ على نغل [5]
(1) أي يردّدها لسان العرب 10: 48، مادّة (غ ر ر) .
(2) سنن ابن ماجة 2: 900/ 2697، مجمع الزوائد 4: 237، البداية والنهاية 5: 258.
(3) الأفنان: جمع فنن، وهو الغصن. المصباح المنير: 482، مادّة (ف ن ن) .
(4) مجمع الزوائد 6: 226النهاية في غريب الحديث 2: 375رواه عن ابن مسعود.
(5) أي فساد. المصباح المنير: 615، مادّة (ن غ ل) .