ومن هذا الباب أيضا قولهم: «فلان عدل» فوصفوه بالمصدر الذي فعله «عدل، يعدل، عدلا» لكثرة وقوعه منه، وتظاهره به، ونظائر ذلك كثيرة.
(321) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَيَعْنِي الْمَوْتَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ» [1] .
وهذه استعارة، والمراد أنّ اللذات بالموت تتلاشى وتبطل، وتمحق وتضمحلّ، كما يضمحلّ البناء بهدمه، ويبطل بتعفية رسمه [2] ، و «الهدم» في الأصل: هو الإبطال للشيء، فإذا قالوا: «هدم فلان البناء» فإنّما يريدون أنّه أزاله وأبطله.
وَمِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْأَنْصَارِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ كَلَامٍ طَوِيلٍ: «الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ»
[3] ، وأصحّ ما قيل في تفسير ذلك: «أنّه عليه الصلاة والسلام أراد: أنّكم إن طلبتم بدم طلبته، وإن هدمتموه هدمته، وأقام الهدم هاهنا مقام الطلّ، يقول: إن طللتموه طللته بمعنى إن أبطلتموه أبطلته» وقال يعقوب بن السكّيت في كتاب «الألفاظ» : «يقال: دماؤهم هدم بينهم أي هدر [4] » ويقال:
«هدم» بتحريك الدال أيضا.
(1) البداية والنهاية 9: 238، كنز العمّال 15: 542/ 42095، 42096، 42097، دعائم الإسلام 1:
221، تحف العقول: 178، سنن النسائي 4: 4، مستدرك الحاكم 4: 321، مجمع الزوائد 10: 308، وفي الدعائم وما تلته من الكتب: «هاذم» بدل «هادم» سنن الترمذي 3: 379، وفيه: «هازم» .
(2) أي انداراس ما كان لاحقا بالأرض من آثار البناء.
(3) مناقب ابن شهر آشوب 1: 157، مجمع الزوائد 6: 44.
(4) كنز الحفّاظ في تهذيب الألفاظ: 275.