يفيدان بلوغ الحدّ في الامتلاء، و «الطفاح» يفيد مجاوزة الحدّ في الامتلاء، وقد مضى الكلام على هذا المعنى فيما تقدّم من هذا الكتاب.
(235) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ الْقُرْآنَ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ» [1] .
وهذا القول مجاز، والمراد أنّ القرآن سبب لثواب العامل به، وعقاب العادل عنه، فكأنّه يشفع للأوّل فيشفّع، ويشكو من الآخر فيصدّق، و «الماحل» هاهنا: الشاكي، وقد يكون أيضا بمعنى الماكر، يقال: «محل فلان بفلان» إذا مكر به، قال الشاعر:
ألا ترى أنّ هذا النّاس قد نصحوا ... لنا على طول ما غشّوا وما محلوا [2]
(236) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَكُونُوا مُغَوَّيَاتٍ لِمَالِ اللَّهِ» [3] .
وهذه استعارة، و «المغوَّاة» في الأصل: زُبية تحفر للسباع والذئاب، ويموّه رأسها ليخفى قعرها، ويجعل فيها سخل يستدعى به السباع والذئاب إليها، فتكون مهلكة له إذا وقع فيها، فأراد عليه الصلاة والسلام بهذا القول: لا يكونوا كالمهالك لمال الله بأن يأخذوها بالمكر والخداع، وينفقوها في الفسوق والضلال، فيكونوا لها كالمغوَّيات التي تخدع ظواهرها، وتهلك بواطنها، وقال رؤبة بن العجّاج يعني الدهر:
(1) تفسير نور الثقلين 1: 720/ 92تفسير العيّاشي 1: 2/ 1مجمع الزوائد 7: 164، كنز العمّال 1:
516/ 2306، الدرّ المنثور 3: 56.
(2) لم أعثر له على مصدر.
(3) غريب الحديث 3: 324، المحيط في اللغة 1: 557، في نسخة ب: «لا تكونوا» .