والوجه الآخر: أن يكون أراد أنّهم جنوده التي يطأ بها البلاد، ويغلب الأضداد، وتقول العرب: «داس آل فلان آل فلان، ووطىء بنو فلان بني فلان» إذا كانوا الغالبين لهم، والعالين عليهم. ومن ذلك ما حكي عن أبي سفيان بن حرب: «أنّه قال وقد مرّ باحد: لقد دسنا هاهنا محمّدا
وأصحابه دوسة منكرة» ويروى: «وطئنا» .
(43) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَقَدْ أَلْحَفَ [1] فِي سُؤَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا قَسَّمَ غَنَائِمَ هَوَازِنَ: «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ»
في كلام أكثر من هذا.
فقوله عليه الصلاة والسلام: «إنّ هذا المال خضرة حلوة» مجاز لأنّه شبّه حلاوة المال في القلوب بحلاوة الثمرة تشرف النفس إليها، ويكثر التتبع لها، فكذلك الأموال الدّثرة [3] تلهج النفس لها، ويكثر النزوع إليها.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «خضرة حلوة» سرّ لطيف وهو أنّه شبّه المال بالثمرة التي حسن منظرها، وطاب مخبرها، وليس كلّ ثمرة مأكولة كذلك صفتها لأنّ في النابتات والثمرات ما يحسن ظاهره،
(1) ألحف السائل: ألحّ، الصحاح 4: 1426، النهاية في غريب الحديث 4: 237.
(2) المحلّى 9: 155، سنن النسائي 5: 60، مسند أحمد 3: 434، وفيه «أخذه بحقّه» بدل «أخذه بسخاوة» ، صحيح البخاري 2: 129، سنن الترمذي 4: 16/ 2480، السنن الكبرى 4: 196، كنز العمّال 6: 620/ 14117.
(3) أي الكثيرة. أقرب الموارد 1: 319، مادّة (د ث ر) .