فجوابه أن يقال: إنّما شبّه عليه الصلاة والسلام اتساعه في الجري باتساع ماء البحر، ألا تراهم يقولون: «إنّه لواسع الخطو ووساع الخطو يريدون هذا المعنى، و «البحر» في كلام العرب الشيء الواسع، ومن هناك سمّوا البلدة المتسعة الأقطار «بحرا» .
وقد يجوز أن يكون المراد بتشبيهه بالبحر أنّ جريه غزير لا ينفد، كما أنّ ماء البحر كثير لا ينضب، ويقال للفرس الكثير الجري: «بحر» و «فيض» و «سكب» وعلى هذا قول الشاعر:
وفي البحور تغرق البحور
قيل: «أراد الخيل السابقة التي تسبقها خيل أسبق منها» .
فقد بان: أنّ التشبيه واقع موقعه، وأنّ الطاعن فيه لم يفهم غرضه.
(148) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجَالِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا [1] الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَبْغَضِكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدِكُمْ مِنِّي مَجَالِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ الثَّرْثَارُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ» [2] .
فقوله عليه الصلاة والسلام: «الثّرثارون المتفيهقون» استعارة، والمراد به الذين يكثرون الكلام ويتعمّقون فيه طلبا للتكلّف، وخروجا عن القصد، وتباعدا عن الحقّ. وأصل «الثرثار» مأخوذ من العين
(1) هذا مثل، وحقيقته من التوطئة، وهي التمهيد والتّذليل. راجع لسان العرب 15: 333، مادّة (وط أ) .
(2) مسند أحمد 2: 369و 4: 193، سنن الترمذي 3: 250/ 2087، كنز العمّال 3: 518110، الدرّ المنثور 2: 76، قرب الإسناد 46: 148.