فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 387

أراد أنّه إذا ألقى العمامة طاش حلمه، وخيف سطوه، وما دام معتمّا، فهو مأمون الهفوة، ومغمود السطوة على مجرى عادتهم، وعرف طريقتهم.

وقد فسّر أيضا قول الآخر:

أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني [1]

على مثل هذا المعنى، فكأنّه توعّدهم عند إلقاء العمامة ببادرته، وأن يفيض عليهم ما يستجمّه [2] من مثابة سطوته. وقوله: «تعرفوني» ، ليس يريد به العرفان الذي هو ضدّ الإنكار، وإنّما أخرجه مخرج الوعيد، وأطلعه مطلع التهديد، كما يقول القائل لغيره إذا أراد هذا المعنى:

«ستعرفني» أو «أما تعرفني؟» والمراد: ستعرف عقوبتي، أو أما تعرف غضبي وسطوتي؟!.

(159) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ» [3] .

وهذا مجاز، والمراد: من امتنع عن مواقعة المعاصي الموبقة، واستعصم من الخطايا المردية، فجعله عليه الصلاة والسلام بمنزلة من برز له قرن [4] ينازله، وعدوّ يقابله لما يعاينه من المشقّة في مغالبة نوازع

(1) خزانة الأدب 1: 254، 257، جلا: اسم أبيه، طلّاع الثنايا: مجرّب للأمور ركّاب لها، يعلوها ويقهرها بمعرفته وتجاربه وجودة رأيه.

(2) أي يستجمعه.

(3) مسند أحمد 6: 20، 22، سنن الترمذي 3: 89/ 1671، مستدرك الحاكم 1: 11، مجمع الزوائد: 3:

268، كنز العمّال 1: 151/ 749.

(4) القرن: الكفؤ والنظير في الشجاعة والحرب. لسان العرب 13: 337.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت