أراد أنّه إذا ألقى العمامة طاش حلمه، وخيف سطوه، وما دام معتمّا، فهو مأمون الهفوة، ومغمود السطوة على مجرى عادتهم، وعرف طريقتهم.
وقد فسّر أيضا قول الآخر:
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني [1]
على مثل هذا المعنى، فكأنّه توعّدهم عند إلقاء العمامة ببادرته، وأن يفيض عليهم ما يستجمّه [2] من مثابة سطوته. وقوله: «تعرفوني» ، ليس يريد به العرفان الذي هو ضدّ الإنكار، وإنّما أخرجه مخرج الوعيد، وأطلعه مطلع التهديد، كما يقول القائل لغيره إذا أراد هذا المعنى:
«ستعرفني» أو «أما تعرفني؟» والمراد: ستعرف عقوبتي، أو أما تعرف غضبي وسطوتي؟!.
(159) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ» [3] .
وهذا مجاز، والمراد: من امتنع عن مواقعة المعاصي الموبقة، واستعصم من الخطايا المردية، فجعله عليه الصلاة والسلام بمنزلة من برز له قرن [4] ينازله، وعدوّ يقابله لما يعاينه من المشقّة في مغالبة نوازع
(1) خزانة الأدب 1: 254، 257، جلا: اسم أبيه، طلّاع الثنايا: مجرّب للأمور ركّاب لها، يعلوها ويقهرها بمعرفته وتجاربه وجودة رأيه.
(2) أي يستجمعه.
(3) مسند أحمد 6: 20، 22، سنن الترمذي 3: 89/ 1671، مستدرك الحاكم 1: 11، مجمع الزوائد: 3:
268، كنز العمّال 1: 151/ 749.
(4) القرن: الكفؤ والنظير في الشجاعة والحرب. لسان العرب 13: 337.