وَفِي رِوَايَةٍ أخرى: «يَغْضَبُ غَضِبَتَهُ وَيُقَاتِلُ عَصَبَتَهُ» [1] .
فقوله عليه الصلاة والسلام: «تحت راية عمّيّة» ، مجاز لأنّه جعل الراية عمّيّة، والمراد الحرب التي رفعت تلك الراية فيها، وإنّما حسن وصفها بالعمى وهو في الحقيقة للحرب لأنّ الراية علم لها، ودليل عليها، والحرب العمّيّة: هي المشتبهة التي لا يهتدى فيها إلى القصد، ولا يتبيّن فيها وجه الرشد، فهي كالعمياء التائهة، والعشواء الخابطة [2] ومن ذلك قولهم: «نحن في عمياء» إذا كانوا في أمر مختلط، أو على رأي مشتبه. وربّما روي لفظ الخبر على الإضافة وذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «تحت راية عمّيّة» كأنّه قال: تحت راية حرب عمّيّة والمعنيان متقاربان.
(260) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَكِيدُهُمْ، إمَّاعَ كَمَا يَمَّاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ» [3] .
وهذه استعارة، والمراد أنّه يمحق كيده، ويضمحلّ أمره، فيكون كالهباء المتلاشي، والبناء المتداعي، فلا يثبت له عماد، ولا يدعمه سناد، فعبّر عليه الصلاة والسلام عن هذه الحال ب «الامّياع» لأنّه لا يمّاع إلّا الجسم المتخلخل الذي لم تستحصف جبلّته [4] ، ولا استحجرت
(1) تلاحظ المصادر السابقة.
(2) وهي الناقة التي في بصرها ضعف، فهي تخبط أي تضرب بيديها إذا مشت لا تتوفّى شيئا. راجع لسان العرب 4: 16، مادّة (خ ب ط) .
(3) صحيح البخاري 2: 24/ 1877، النهاية في غريب الحديث 4: 381. مع اختلاف يسير.
(4) أي لم تستحكم طبيعته. أقرب الموارد 1: 200، مادّة (ح ص ف) و 101، مادّة (ج ب ل) .