لصاحبها من نحرها نفاسة بها، وشحّا عليها، فكانت شارتها كالمنجدة لها والسلاح الذي تدفع به عن أنفسها.
وقد قيل في «رسلها» هاهنا قولان:
أحدهما: في حال كثرة ألبانها موافقة لقوله عليه الصلاة والسلام:
«في نجدتها» إذا كان ذلك بمعنى حسن شارتها.
والقول الآخر: أن يعطيها في حال يهون عليه إعطاوها فيها وهي حال نقصان شحومها، وخفّة جسومها، من قولهم: «تكلّم فلان بكذا على رسله» أي والكلام هيّن عليه، فهو متمهّل فيه غير عجل، وساكن غير قلق، فكأنّ المعنى: إلّا من أعطاها في حالتي كرامتها وهوانها، واستقباحها واستحسانها، كقولك: «في حال العسر واليسر، وعند الطوع والكره» والقول الأوّل هو المعتمد.
(209) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ» قِيلَ: وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» [1] .
وهذه استعارة، وقد قيل في ترائي النارين قولان:
أحدهما: أن يكون المراد أنّ المسلم لا ينبغي له أن يساكن المشرك
في بلاد فيكون منه بحيث إذا أوقد كلّ واحد منهما نارا رآه الاخر، فجعل الترائي للنارين، وهو في الحقيقة للموقدين، والأصل في ذلك المداناة والمقابلة بقول القائل: «دور بني فلان تتناظر» أي تتدانى
(1) سنن أبي داود 1: 595/ 2645، سنن الترمذي 3: 80/ 1654، السنن الكبرى 8: 131، كنز العمّال 16: 668/ 46296، سنن النسائي 8: 36، وفيه: «ألا لا رأي ناراهما» ، المبسوط 2: 24.