والكلمة الأخيرة داخلة في باب المجاز، والمراد بها النهي عن طلب منافع الدنيا وحطامها، واستدرار أحلابها [1] وموادّها، بإظهار الورع، وإبطان الطمع، فكأنّ الإنسان بذلك يختل الدنيا ليرمى ثغرتها، ويصيب غرتها، كالصائد الذي يختل [2] الوحش بضروب الحيل حتّى يعلق في حباله، وينشب في أشراكه. وعلى ذلك قول الكميت بن زيد:
وإنّي على حبّهم وتطلّعي ... إلى نصرهم أمشي الضّراء وأختل [3]
وقد يجوز أن يكون المراد: وأن يختل أهل الدنيا بالدين، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه على مثال قوله سبحانه: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} [4] . وهذا النوع من الكلام لا يحصى كثرة.
(153) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ: «وَلَا تَكَلَّمِ الْيَوْمَ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا، وَاخْزُنْ لِسَانَكَ» [5] .
وهذه استعارة، والمراد بخزن اللسان حفظ فلتاته، وكفّ جمحاته حتّى لا يسرع إلى ما تسوء مغبّته [6] ، ولا تؤمن عاقبته، فأقام عليه الصلاة
(1) الأحلاب: جمع حلب، وهو اللبن المحلوب. أقرب الموارد 1: 230، مادّة (ح ل ب) والمراد هنا المناقع.
(2) أي يخدع.
(3) هاشميات الكميت: 179، الضراء: هو المشي فيما يواريك عمّن تكيده وتختله. لسان العرب 8:
58، مادّة (ض ر و) .
(4) يوسف (12) : 82.
(5) مسند أحمد 5: 412، سنن ابن ماجة 2: 1396، كنز العمّال 7: 524وفيهما لم ترد: «واخزن لسانك» .
(6) غبّ الأمر ومغبّته: عاقبته وآخره. لسان العرب 1: 634.