فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 387

وهذه استعارة، والمراد أنّ من تأخّر بسوء عمله عن غايات الفضل ومواقف الفخر، لم يتقدّم إليها بشرف نسبه، وكريم حسبه، فجعل عليه الصلاة والسلام الإبطاء والإسراع مكان التأخّر والتقدّم لأنّ المبطىء متأخّر، والمسرع متقدّم، وأضافهما إلى العمل والنسب، وهما في الحقيقة لصاحبهما لا لهما، ولكن العمل والنسب لمّا كانا سبب الإبطاء والإسراع، حسن أن يضاف ذلك إليهما على طريق المجاز والاتّساع.

(320) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «رَحِمَ اللَّهُ حِمْيَرًا أَفْوَاهُهُمْ سَلَامٌ، وَأَيْدِيهِمْ طَعَامٌ، أَهْلُ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ» [1] .

وهذا القول مجاز، والمراد المبالغة في صفتهم بإفشاء السلام، وإطعام الطعام، فلمّا كثر لفظ السلام من أفواههم وبذل الطعام من أيديهم، جاز على طريق المبالغة أن يقول: «أفواههم سلام، وأيديهم طعام» كما يقول القائل: «ما فلان إلّا أكل ونوم» و «ما فلان إلّا صلاة وصوم» إذا كثر الأكل والنوم من الأوّل، والصلاة والصوم من الآخر.

وعلى هذا قول الخنساء في صفة الظبية الفاقدة ولدها:

ترتاع ما نسيت حتّى إذا ذكرت ... فإنّما هي إقبال وإدبار [2]

تريد صفتها بكثرة الإقبال والإدبار، والتململ [3] والاضطراب.

(1) مسند أحمد 2: 278، سنن الترمذي 5: 385/ 4032، كنز العمّال 12: 58/ 33985.

(2) ديوان الخنساء: 48، لسان العرب 11: 538، وفيه: ترتع ادّكرت، وما في اللسان أصحّ فإنّ الظبية ترتع عند نسيانها أي تأكل وتشرب ما شاءت في خصب وسعة، لا أنّها ترتاع وتغزع عند نسيانها.

(3) أي عدم الاستقرار. راجع لسان العرب 13: 187، مادّة (م ل ل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت