وجعلهم بعضها لأنّهم خالدون فيها، غير خارجين منها.
(71) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِرَجُلٍ مِنْ وَفْدِ تُجِيبَ [1] : «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ جَمِيعًا» ، فَقَالَ: أَوَلَيْسَ الرَّجُلُ يَمُوتُ جَمِيعًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تَتَشَعَّبُ أَهْوَاؤُهُ وَهُمُومُهُ فِي أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا، فَلَعَلَّ أَجَلَهُ يُدْرِكُهُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، فَلَا يُبَالِي اللَّهُ فِي أَيِّهَا هَلَكَ» [2] .
وفي هذا الكلام مجازان:
أحدهما: قوله عليه الصلاة والسلام: «إنّي لأرجو أن تموت جميعا» لأنّ الإنسان لا يموت إلّا جميعا، وإنّما أراد: إنّي لأرجو ألّا يدركك الموت وهمومك متقسّمة، وأهواؤك متشعّبة، فكأن يكون متفرّقا بتفرّق أهوائه، ومتشعّبا بتشعّب آرائه.
والمجاز الآخر: قوله عليه الصلاة والسلام: «في أودية الدنيا» وهذه استعارة عجيبة لأنّه شبّه اختلاف طرائق الدنيا ومذاهبها وتباين أحوالها ونوائبها، بالأودية المختلفة، فمنها البعيد والقريب، والمخصب والجديب، والواسع والضيّق، والمنجي والمعطب [3] .
(72) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ يَعْنِي الْمَدِينَةَ: «أُسْكِنْتُ بِأَقَلِّ
(1) تجيب: بطن من كندة ينتسبون لجدتهم العليا تجيب بنت ثوبان. تاج العروس 1: 319، مادّة (ت ج ب) .
(2) الطّبقات الكبرى لابن سعد 1: 323، سنن ابن ماجة 1: 95/ 257، و 2: 1375/ 4106مع اختلاف في العبارة، كنز العمّال 3: 203/ 6178.
(3) أيّ المهلك.