وهذا الكلام من محاسن الاستعارات وبدائع المجازات لأنّه عليه الصلاة والسلام جعل الإسلام غريبا في أوّل أمره تشبيها بالرجل الغريب الذي قلّ أنصاره، وبعدت دياره لأنّ الإسلام كان على هذه الصفة في أوّل ظهوره، ثمّ استقرّت قواعده، واشتدّت معاقده، وكثر أعوانه وضرب جرانه [1] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «وسيعود غريبا» أي يعود إلى مثل الحال الاولى في قلّة العاملين بشرائعه، والقائمين بوظائفه [2] ، لا أنّه والعياذ بالله تمحّى [3] سماته، وتدرس آياته.
(14) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى قَوْلِهِ: «قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ» [4] .
(1) أي ثبت واستقرّ، وهو مجاز منقول عن الكناية من قولهم: «ألقى البعير بجرانه» إذا برك.
(2) في نسخة ب: العالمين بشرائعه والعاملين بوظائفه.
(3) في نسخة ب: تنمحي.
(4) سنن النسائي 7: 119، مسند أحمد 1: 88، 160و 3: 52و 4: 145و 5: 42، صحيح البخاري 4:
179 -و 6: 115و 8: 52، صحيح مسلم 3: 110، سنن ابن ماجة 1: 59: 168، 60: 169، سنن أبي داود 2: 4768429، مستدرك الحاكم 2: 146، السنن الكبرى 3: 225، مجمع الزوائد 6: 225، كنز العمّال 11: 137: 30939، الفقيه 1: 124: 288، الإيضاح: 49، الخصال: 574، اعلام الورى:
330.وهو حديث طويل في باب قتال الخوارج، هكذا أخرجه أحمد في مسنده: حدّثنا أبو كثير مولى الأنصار، قال: كنت مع سيّدي علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) حيث قتل أهل النهروان، فكأنّ الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم، فقال علي (رضي الله عنه) : «يا أيها الناس، إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد حدّثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، ثمّ لا يرجعون فيه أبدا حتّى يرجع السهم على فوقه» .