وهذا القول مجاز، والمراد أنّهم لا يعملون بأحكام القرآن وفرائضه، ولا يأتمرون لأوامره، ولا ينزجرون بزواجره، وكأنّهم ليس لهم منه إلّا الصوت الخارج من حناجرهم، يقول عليه الصلاة والسلام: لا يعرف القرآن عندهم إلّا بهذه وتلاوته، دون العمل بأحكامه وواجباته.
وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا: «لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ»
[1] والمعنى واحد.
(276) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمُخَاطَبَيْنِ مِنْ أَهْلِهِ سَأَلَاهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ: «وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَنْطَوِي بُطُونُهُمْ لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ» [2] .
وفي هذا القول مجاز، وأهل الصفّة: هم فقراء المهاجرين، فكأنّه عليه الصلاة والسلام شبّه بطونهم من الخمص والهضم لقلّة الزاد والمطعم بالأوعية الفارغة التي تنطوي لفراغها، وتنضمّ لخلوّ أجوافها.
وقد يجوز أيضا أن يكون إنّما شبّهها بالبرود [3] المثنيّة والخماص [4]
المطويّة لانضمام بعضها على بعض من خلوّ الأحشاء، وبعد العهد بالغذاء.
(1) صحيح مسلم 2: 615/ 1068، سنن النسائي 7: 120، التراقي: جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين. المصباح المنير: 74، مادّة (ت ر ق و) .
(2) مسند أحمد 1: 106، مجمع الزوائد 8: 168و 10: 100، كنز العمّال 6: 16786514و 15:
506/ 41982، ذخائر العقبى 106، البداية والنهاية 6: 366.
(3) البرود: جمع برد، وهو ثوب فيه خطوط، وخصّ بعضهم به الوشي. لسان العرب 1: 368، مادّة (ب ر د) .
(4) الخماص: جمع خميصة، وهي كساء أسود مربّع له علمان، فإن لم يكن معلما فليس بخميصة.
راجع لسان العرب 4: 220219، مادّة (خ م ص) .