ويحتمل قولهم: «رحا الحرب» وجهين:
أحدهما: أن يريدوا به اللبث والاستقرار.
والآخر: أن يريدوا به الجولان والمدار.
وقد يجوز أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام في السحابة: «كيف ترون رحاها؟» يريد به صوت رعدها، كما سألهم عن لمع برقها، وكثيرا ما تشبّه أصوات الرعد القاصفة بقعقعة أصوات الأرحاء الدائرة، ولا يمتنع أن يعبّر عمّا تسمعه الاذن بعبارة ما تشاهده العين، كما يقول القائل لغيره إذا سأله عن سماع الغناء المطرب والحداء المعجب: «كيف ترى هذا الغناء؟ وكيف ترى هذا الحداء؟» وذلك شائع عند أهل اللسان.
(217) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ طَفُّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلَؤُوهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَى»
[1] في حديث طويل.
فقوله عليه الصلاة والسلام: «طفّ الصّاع» هاهنا استعارة، والمراد أنّ كلّ من كان من ولد آدم عليه الصلاة والسلام فهو ناقص، لا يوصف بالتمام، ولا يعطى مزيد الكمال، وإنّما يتفاضل الناس بأعمالهم، ويفضلون بكثرة فضائلهم، وإنّما يوصف الإنسان بأنّه فاضل إذا اضيف إلى الناقص، وإلّا فلا بدّ من نقائص تتخلّل فضائله، ومساو تتوسّط محاسنه إمّا بأن يكون فاضلا في حال، وناقصا في حال، وإمّا بأن يكون قاصرا عمّا فوقه، وزائدا على من دونه.
(1) مسند أحمد 4: 145، 158، غريب الحديث للهروي 3: 106، الدرّ المنثور 6: 98.