وهذه استعارة والمراد ب «الشّاهد» هاهنا: النجم، والعرب يسمّون الكوكب «شاهد الليل» كأنّه يشهد بإدبار النهار وإقبال الظلام. وكلّ شيء يدلّ على شيء فهو يجري مجرى الشاهد به والمخبر عنه إذ ليس كلّ دالّ بإنسان، ولا كلّ دليل من جهة اللسان.
(353) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ؟!» [1] .
وهذا القول مجاز لأنّ البخل على الحقيقة ليس بداء، ولكنّه لمّا كان عادة مكروهة وخليقة مذمومة، اجرى مجرى الداء الذي يغيّر الصحّة، ويفسد الجبلّة [2] ، إلّا أنّه داء يمكن الانتقال عن صحبته، وحمل النفس على مفارقته لأنّه لو لم يكن كذلك لما حسن الذمّ عليه، والتعيير به، كما لا يحسن الذمّ على سائر الأمراض التي تغيّر الأحوال، وتفسد الأجسام.
والبخل على الحقيقة هو منع الواجب، وكلّ من منع الواجب يوصف بالبخل، ومن منع التفضّل لا يوصف بذلك إلّا على سبيل المجاز، وكلّ ما في القرآن من ذكر البخل فإنّما يراد به منع الواجب، كما أنّ كلّ ما فيه من الأمر بالإنفاق إنّما يراد به إخراج المال في الواجب. فأمّا تسمية العرب من لا يؤوي [3] النازل ولا يعطي السائل ب «البخيل» فلأنّهم
(1) الأدب المفرد: 296، مسند أحمد 3: 307، مستدرك الحاكم 3: 219و 4: 163، مجمع الزوائد 9:
315، كنز العمّال 3: 449/ 7389، البداية والنهاية 5: 82، فقه الرضا عليه السّلام: 277، الكافي 4:
44/ 3، الفقيه 4: 379/ 5799.
(2) أي الطبيعة. المصباح المنير: 90، مادّة (ج ب ل) .
(3) في نسخة: لا يقري.