(57) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَلْقَى اللَّهَ عَبْدٌ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ حَرَامٍ إِلَّا دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ»
فقوله عليه الصلاة والسلام: «ولم يتندّ بدم حرام» مجاز لأنّه أراد:
لم يصب دما حراما، ومن قولهم: «ما نديت من فلان بشيء» أي لم اصب منه شيئا، فجعل عليه الصلاة والسلام الذي يسفك الدم، متندّيا به وإن كان لم يباشر سفكه بنفسه لأنّ الأغلب فيمن يتولّى سفك الدم مباشرا، أن يصيبه منه بلل، ويشهد عليه أثر. وعلى هذا قول الشاعر:
تبرّأ من دمّ القتيل وبزّه [2] ... وقد علقت دم القتيل إزارها [3]
ولم يكن هناك على الحقيقة أثر دم علقت الإزار، وإنّما أخرجه الشاعر على الوجه الذي ذكرناه، فكأنّه جعل القاتل وإن لم يظهر عليه شاهد الدم، كمن ظهرت عليه شواهده الناطقة، ودلائله القاطعة لقوّة الأمارات التي تشهد بفعله وتعصّب [4] الأمر به، وهذا المعنى أيضا أراد جرير بقوله:
وقلت نصاحة لبني عديّ: ... ثيابكم ونضح دم القتيل [5]
فكأنّه خاطب قوما ونهاهم عن أن يقفوا موقف الظنّة، وينزلوا منزل
(1) مسند أحمد 4: 148و 152، سنن ابن ماجة 2: 873/ 2618، مستدرك الحاكم 4: 352، مجمع الزوائد 1: 19، كنز العمّال 15: 34/ 39958، مع اختلاف قليل في العبارة.
(2) أي سلبه.
(3) جمهرة اللغة 2: 328، لسان العرب 4: 16، تاج العروس 10: 43.
(4) أي تلبسّه.
(5) ديوان جرير 2: 719، لسان العرب 3: 62عجز البيت.