فكأنّه عليه الصلاة والسلام جعل الإسلام مستأصلا لكلّ ذنب تقدّم للإنسان قبله حتّى لا يدع له جناية يحذر عاقبتها، ولا معرّة [1] يسوء الحديث عنها، بل يعفّي [2] على ما تقدّم من السوءات، ويحثو على ما ظهر من العورات.
(33) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي وَصِيَّتِهِ لِأُمَرَاءِ الْجَيْشِ الَّذِي بَعَثَهُ إِلَى مُؤْتَةَ: «وَسَتَجِدُونَ آخَرِينَ لِلشَّيْطَانِ فِي رُءوسِهِمْ مَفَاحِصُ، فَاقْلَعُوهَا بِالسُّيُوفِ» [3] .
وهذه من الاستعارات العجيبة والمجازات اللطيفة وذلك أنّ من كلام العرب أن يقول القائل منهم إذا أراد أن يصف إنسانا بشدّة الارتكاس في غيّه [4] والارتكاس في عنان بغيه: «قد فرّخ الشيطان في رأسه» أو «قد عشّش الشيطان في قلبه» فذهب عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الوضع، وبنى على ذلك الأصل، فقال «للشيطان في رؤوسهم مفاحص» و «المفحص» في الأصل: الموضع الذي تبحثه [5] القطاة لتجثم عليه أو لتبيض فيه، وإنّما قيل له: «مفحص» لأنّها لا تجثم فيه إلّا بعد أن تفحص [6] التراب عنه توطئة لمجثمها، وتمهيدا لجسمها، ويقال: «ما
(1) أي مساءة وإثما. المصباح المنير: 2401مادّة (ع ر ر) .
(2) أي يصلح بعد الفساد. أقرب الموارد 2: 804، مادّة (ع ف و) .
(3) الموطأ 2: 447مع اختلاف، النهاية في غريب الحديث 3: 415، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حين أوصى امراء جيش مؤتة، السنن الكبرى: 9: 91.
(4) الغيّ: الضلال والخيبة، الصحاح 6: 2450، لسان العرب 15: 140.
(5) أي تحفره. المصباح المنير: 36، مادّة (ب ح ث) . في نسخة ب: تجنّه، وهو من سهو النسّاخ.
(6) أي تكشفه وتنحّيه. أقرب الموارد 2: 905، مادّة (ف ح ص) .