بمنزلة الداخل دخول الليل في الإطلال والإطباق، وتجليل البلاد والآفاق.
ومن ذلك ما روي في حديث عن بعض الصحابة، وهو قوله: «وكان ذلك حين دجا الإسلام» [1] أي ألبس كلّ شيء، ودخل علىّ كلّ حيّ تشبيها بالليل في تغطية البلاد، وشموله النجاد والوهاد [2] .
وممّا يقوّي هذا المعنى
مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنَّهُ قَالَ لِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَقَدْ رَأَتْ قَمِيصَهُ مَخْرُوقًا، وَبَطْنَهُ خَمِيصًا، فَبَكَتْ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَمَا يُرْضِيكِ يَا فَاطِمَةُ أَلَّا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ عِزٌّ أَوْ ذُلٌّ بِأَبِيكِ!» [3] .
(340) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ؟» قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ» [4] .
وهذه الألفاظ كلّها مستعارة، كأنّه عليه الصلاة والسلام جعل الإسلام
رأس دين الله المتقدّم، ورئيسه المعظّم، وجعل الصلاة عموده الذي به قوامه، وعليه قيامه، وجعل الجهاد ذروة سنامه لأنّه يعدّ الرأس أعلى مشارفه، وأرفع مراتبه، وبه يشاد بناؤه، ويقام لواؤه، ويقمع أعداؤه.
(341) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «حُجُّوا قَبْلَ أَلَّا تَحُجُّوا حُجُّوا
(1) النّهاية في غريب الحديث 2: 102، لسان العرب 14: 250.
(2) أيّ العوالي والسوافل.
(3) مسند أحمد 6: 4، مستدرك الحاكم 1: 489و 3: 155، كنز العمّال 11: 461/ 32164.
(4) مسند أحمد 5: 237، مستدرك الحاكم 2: 76، 413، السّنن الكبرى 9: 20.