ويؤكّد ذلك الحديث الآخر وهو
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ، فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا، وَصَغَّرَ عَظِيمًا» [1] .
ولو كان المراد بالتغنّي في هذا الخبر ترجيع الصوت بالقرآن، لكان من لم يقصد هذه الطريقة في تلاوته ويعتمدها في صلاته، داخلا تحت الذمّ، ومقارفا [2] للذنب
لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»
فبان أنّ المراد به الاستغناء لا الغناء.
(192) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» [3] .
وهذا مجاز، وذلك أنّ العرب كانت إذا قرعتها القوارع، ونزلت بها النوازل [4] ، وحطمتها السنون الحواطم [5] ، وسلبت كرائم أعلاقها [6] من مال مثمر، أو ولد مؤمّل، أو حميم مرجّب [7] ، ألقت الملاوم على الدهر، فقالت في كلامها وأسجاعها وأرجازها وأشعارها: «استقاد [8] منّا
(1) معاني الأخبار 190، 279مع اختلاف، وفيه: «من أعطاه الله القرآن» ، كنز العمّال 1: 2350.
(2) أي فاعلا. المصباح المنير: 499، مادّة (ق ر ف) .
(3) مسند أحمد 2: 395، صحيح مسلم 7: 45، كنز العمّال 3: 606/ 8137، أمالي المرتضى 1: 34، التبيان في تفسير القرآن 1: 25، الإيضاح: 9.
(4) النوازل: جمع النازلة، وهي الشدّة من شدائد الدهر. لسان العرب 11: 659.
(5) الحواطم: السنون الشديدة الجدب. لسان العرب 12: 138.
(6) الأعلاق: جمع علق، وهو النفيس من كلّ شيء. أقرب الموارد 2: 822، مادّة (ع ل ق) .
(7) أي مهيب ومعظّم. أقرب الموارد 1: 390، مادّة (ر ج ب) .
(8) أي اقتصّ.