على الحقيقة، وإنّما يطلب نصرة الدين، ووقم المحادّين [1] ، ولكنّ ذلك لمّا كان في الأكثر مفضيا إلى الموت القاصي والأجل الداني، كان كأنّه انتجع [2] مظنّة حتفه، ونقّب عن هلاك نفسه، و «المظانّ» الأماكن التي إذا طلب الرجل وجد فيها، يقال «موضع كذا مظنّة من فلان» أي معلم منه، ومكان يوجد فيه، قال الشاعر:
وإن يك عامر قد قال جهلا ... فإنّ مظنّة الجهل الشّباب [3]
كأنّه قال: «إنّ الشباب موضع للجهل فيه تسرح سارحته، وفيه تنشد ضالّته» .
وأراد عليه الصلاة والسلام: يطلب الموت في مظانّه، فلما خلع الجارّ وصل الفعل إلى «المظانّ» فنصبها [4] ، وذلك أقرب في الفصاحة، وأضرب [5] في مذاهب البلاغة.
(247) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ» [6] .
وهذا القول مجاز، وإنّما جعل عليه الصلاة والسلام الجوع بمنزلة
(1) أي قهر وإذلال المعادين.
(2) أي قصد، يقال: انتجع القوم إذا ذهبوا لطلب الكلأ في موضعه. راجع المصباح المنير: 594، مادّة (ن ج ع) .
(3) ديوان النابغة: 109، الصحاح 6: 216.
(4) انظر: المقتضب 2: 321.
(5) أي أبعد وأعلى.
(6) سنن النسائي 8: 263، سنن ابن ماجة 2: 1113/ 3354، سنن أبي داود 1: 345/ 1547، كنز العمّال 2: 189/ 3689.