(231) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تَرْفَعْ عَصَاكَ عَنْ أَهْلِكَ» [1] .
وهذا القول مجاز على أكثر الأقوال وذلك أنّه عليه الصلاة والسلام لم يرد الضرب بالعصا على الحقيقة لأنّ ذلك مكروه عنده، ومذموم فاعله، ألا تراه عليه الصلاة والسلام يوصي امّته أن يرفقوا بمن ملكت أيمانهم حنوّا عليهم، ورأفة بهم، ونظرا إليهم، فكيف بالأحرار من الأهل والولد الذين حقّهم أوجب، والحنوّ عليهم أولى؟! وإنّما المراد: لا ترفع التأديب عنهم، ولا تغب التقويم لهم، فكنّى عن ذلك ب «العصا» حملا للكلام على عرف العرب لأنّ المتعارف بينها على أنّ التأديب في الأكثر لا يكون إلّا بقرع العصا.
وقد يجوز أن يكون المراد بذلك الاجتماع والائتلاف، من قولهم:
«فلان قد شقّ عصا المسلمين» إذا فرّق، جماعتهم وبدّد الفتهم. ومنه قول صلة بن أشيم لأبي السليل: «إيّاك وقتيل العصا [2] » ، يقول: إيّاك أن تكون قاتلا أو مقتولا في شقّ عصا المسلمين.
ومنه قول جرير:
فلمّا التقى الحيّان القيت العصا ... ومات الهوى لمّا أصيبت مقاتله [3]
يقول: لمّا التقى الحيّان وقع الائتلاف والدنوّ، وزال التمنّع والنبوّ.
(1) غريب الحديث للهروي 1: 205، الفائق 2: 156، كنز العمّال 16: 95/ 44050، معجم مقاييس اللغة 1: 335، نثر الدر 1: 201، مجمع الزوائد 4: 216، وفيه: «لا تضع» .
(2) غريب الحديث لابن الجوزي 2: 102، الفائق 2: 440.
(3) ديوان جرير: 384، أمالي المرتضى 3: 155، المقاتل: جمع مقتل، وهو الموضع الذي إذا اصيب لا يكاد يسلم صاحبه، كالصدغ.