وهذه من الاستعارات العجيبة لأنّه عليه الصلاة والسلام شبّه الكنوز التي استودعتها بطون الأرض بأفلاذ الكبد وهي شعبها وقطعها لأنّ شعب الكبد من شرائف الأعضاء الرئيسية، فكذلك الكنوز من جواهر الأرض النفيسة، ولمّا شبّهها عليه الصلاة والسلام بأفلاذ الكبد من الوجه الذي ذكرناه، جعل الأرض عند إخراجها كأنّها تقيّأت ودسعت [1] بما استودعته منها.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا» زيادة فائدة في المعنى المراد وهو وصف الأرض بالمبالغة في إخراج كنوزها حتّى لا يخفى منها خافية، ولا يبقى باقية، وذلك كما يقول القائل: «قد تقيّأ فلان كبده» إذا أراد المبالغة في وصفه باستيعاب جميع ما في جوفه. وذلك معروف في كلامهم، وموضوع على قاعدة العرف بينهم.
(234) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثٍ: «مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا «غُفِرَ لَهُ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ طِفَاحُ الْأَرْضِ ذُنُوبًا» [2] .
وهذه استعارة، والمراد: ولو كان عليه ملء الأرض ذنوبا، فجعل الأرض كالإناء الذي طفح ماؤه، وبلغ الغاية امتلاؤه.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «طفاح الأرض» زيادة معنى على قوله: «ملء الأرض» أو «طلاع الأرض» لأنّ «الطلاع» و «الملء»
(1) أي قاءت ملء الفم. أقرب الموارد 1: 333، مادّة (د س ع) .
(2) النهاية في غريب الحديث 3: 128، وفيه: «وإن كان» .